التهرب الضريبي في اليمن… تهديد خفي للاقتصاد المحلي واستقرار التنمية

يمن مونيتور/وحدة التقارير/ من علياء جلال
تتصاعد ظاهرة التهرب الضريبي في اليمن بشكل يعكس تحديات كبيرة تهدد الاقتصاد الوطني واستقرار الخدمات العامة، خاصة في ظل استمرار الحرب والانقسام السياسي.
وتبرز هذه القضية كعقبة رئيسية أمام جهود الدولة لجمع الموارد الضرورية لتلبية احتياجات المواطنين الأساسية.
وأكدت مصادر مطلعة في قطاع الضرائب، عبر حديث لـ”يمن مونيتور”، أن العديد من التجار في المدن الكبرى مثل صنعاء وعدن وتعز يمارسون تلاعبًا ممنهجًا بالفواتير لإخفاء جزء كبير من أرباحهم، بينما تبقى آلاف المنشآت الصغيرة والمتوسطة خارج نطاق التسجيل الضريبي. وأضافت المصادر أن بعض التجار يستغلون وسطاء للحصول على إعفاءات ضريبية غير قانونية، ما يفاقم من حجم التهرب ويضعف النظام الضريبي بشكل عام.
وفي تحليل اقتصادي أشار الدكتور مازن المتوكل، الباحث بجامعة إب، إلى أن محاولات الإصلاح الضريبي التي انطلقت قبل الحرب كانت محدودة، مثل إطلاق التسجيل الضريبي الإلكتروني وفرض استخدام الفواتير الرسمية، لكنها توقفت بفعل النزاع المسلح. وأكد أن الانقسام السياسي أدى إلى وجود إدارات ضريبية متعددة في صنعاء وعدن، مما تسبب في ازدواج الجهود وفوضى في جمع البيانات، وهو ما أضعف فعالية النظام الضريبي وزاد من صعوبة مراقبته.
ويأتي هذا التحليل متوافقًا مع تقرير مشترك للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي صدر عام 2021، حيث أكد التقرير أن الانقسام السياسي والاقتصادي أثر سلبًا على أداء النظام الضريبي في اليمن، وأدى إلى تراجع الشفافية والقدرة على تحصيل الإيرادات الضرورية لدعم التنمية المستدامة والخدمات العامة.
انقسام مالي وإداري
يقول خالد الحرازي أستاذ الاقتصاد بجامعة صنعاء في تصريح لـ “يمن مونيتور” إن الحرب المستمرة وفرت غطاءً غير مباشر للتهرب الضريبي نتيجة انعدام الرقابة وانتشار الفساد وضعف مؤسسات الدولة. وأضاف أن مكافحة التهرب غير ممكنة في ظل انقسام المؤسسات وغياب الشفافية والمساءلة، مشيراً إلى أن الخسائر السنوية تقدّر بنحو 500 مليون دولار، وهو مبلغ يمكن أن يغطي جزءاً كبيراً من موازنات القطاعين التعليمي والصحي.
من جانبه، أشار فارس النجار المستشار الاقتصادي لمكتب رئاسة الجمهورية لـ “يمن مونيتور” إلى ضعف ملحوظ في تحصيل الضرائب من كبار المكلفين الذين يمثلون 60 إلى 70% من الوعاء الضريبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.
وأوضح أن ازدواجية السلطة وتجزئة النظام المالي تلعب دوراً رئيسياً في هذا الضعف، خاصة مع وجود شركات تدفع ضرائب مزدوجة للحوثيين والحكومة الشرعية، مع ميلها للالتزام بالحوثيين كون صنعاء السوق الأكبر، مما يقلص الإيرادات التي تصل إلى عدن.
وأضاف النجار أن الفساد الإداري يتسبب في فقدان 30 إلى 40% من الرسوم الجمركية، حيث تُصرف هذه الأموال خارج الأوعية الحكومية، ويُعزى ذلك إلى تعدد مراكز القوى وتدخل السلطات المحلية. كما أشار إلى أن النفوذ السياسي لبعض كبار التجار والمستوردين يمكنهم من الحصول على إعفاءات ضريبية غير مبررة، مما يزيد من ضعف تحصيل الإيرادات.
وبحسب تقارير الهيئة العامة للضرائب ووزارة المالية قبل الانقسام، تجاوزت نسب التهرب الضريبي في بعض الأعوام 60% من إجمالي الإيرادات الضريبية المفترضة.
وأظهرت دراسة للبنك الدولي في 2020 أن اليمن من الدول الأكثر هشاشة في مجال تحصيل الضرائب مقارنة بحجم الناتج المحلي، حيث لم تتجاوز الإيرادات الضريبية 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط عالمي يتجاوز 15%.
هذه المعطيات تؤكد أن التهرب الضريبي في اليمن يشكل عائقاً رئيسياً أمام تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتمويل الخدمات الأساسية، ويبرز الحاجة الملحة إلى إصلاحات جذرية في النظام المالي والمؤسساتي لتعزيز الشفافية وتفعيل دور الرقابة.
نتائج سلبية
أشار تقرير لـ”مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي” عام 2022، إلى أن اليمن تخسر ما بين 400 إلى 600 مليون دولار سنويًا بسبب التهرب الضريبي، وهو ما يعادل قرابة ثلثي موازنة التعليم أو نصف موازنة القطاع الصحي في الظروف الطبيعية.
في السياق يرى الحرازي أن التهرب الضريبي لا يهدد الاقتصاد فقط، بل يقوّض العدالة الاجتماعية. فالفقير والعامل والموظف البسيط يُستقطع من راتبه الضريبة بشكل تلقائي، بينما يتهرب أصحاب رؤوس الأموال من الدفع، مما يخلق حالة من الظلم، ويزيد الفوارق الاقتصادية بين الطبقات.
ويؤكد النجار ان انكماش إيرادات الدولة يؤدي إلى ارتفاع تكلفة المعيشة وتدهور جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. فعلى سبيل المثال، تعمل 55% فقط من المرافق الصحية في اليمن، وتتطلب الخطة الطارئة للتحسين أكثر من 77 مليون دولار لتأمين الحد الأدنى من الخدمات لـ 11 مليون مستفيد.
واستعرض النجار أن الإيرادات العامة تعاني من الضعف نتيجة التهرب الضريبي والجمركي وضعف آليات التحصيل. يمنع الدولة من سد الفجوات في القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، مما يؤثر على قدرتها على الاستمرار في تقديم هذه الخدمات الأساسية.
وأشار إلى أن عجز الموازنات عن دفع رواتب الموظفين، خاصة المعلمين، تسبب في اختلال العملية التعليمية وإضرابات واسعة النطاق وتوقف التعليم في المدارس ، نتج عنه آثار سلبية كبيرة على مستوى التعليم، وزيادة في نسبة الأمية، وارتفاع في عدد المتسربين من المدارس. وعلى الرغم من تدخلات مثل اليونيسف بتقديم حوافز مالية للمعلمين في 2018-2019، إلا أنها كانت مجرد حلول إسعافيه مؤقتة.
منوها ان تراجع الإيرادات النظامية يؤدي إلى لجوء بعض السلطات المحلية لفرض رسوم مؤقتة، ورفع تكلفة الخدمات، وتأجيل صيانة البنية التحتية، مما يزيد العبء على المواطنين ويؤثر على جودة حياتهم اليومية.
معالجات
واستعرض الحرازي عدة توصيات لعمل معالجات تمحورت في تحديث النظام الضريبي الإلكتروني لتقليل الاعتماد على الموظفين اليدويين، والعمل على توحيد الإدارة الضريبية بين مناطق الانقسام، بالتعاون مع منظمات دولية محايدة إضافة الى رفع الوعي المجتمعي بأهمية الضرائب وربطها بتحسين الخدمات و فرض رقابة محايدة على عمليات التحصيل والإعفاءات. والعمل على إدماج القطاع غير الرسمي في النظام الضريبي تدريجيًا.”
من جانبه أشار فارس النجار إلى أن الحل يكمن في تجنب الانتقائية في الإعفاءات الضريبية، وضرورة وجود قوائم سوداء للموردين غير الملتزمين.
كما شدد على ضرورة توحيد مسار التخليص، سواء كان ضريبيًا أو جمركيًا، وربط هذه الأمور بقاعدة بيانات مرتبطة بالأسعار العالمية لمنع أي تجاوزات.




