عنصرية التقدمي
الحروب تكشف عورات الافراد وتعكر صفو المجتمعات، حينما تتعطل مكابح الضبط والربط (النظام والقانون)، فتنفلت بعض العقول بمعايير الدرج الاسفل من الاخلاق، فتشهد كثيرا من المجتمعات المتخلفة مَوجات من الكراهية والعنصرية، تأخذ صورا واشكالا مختلفة، يَصْطلي بنارها بعض فئات المجتمع الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وكأنَّ لسان حالهم يقول: من يوقف تلك الحملات المجنونة؟… و النفخ في رمادها من أبالسة الجن والإنس، وإذا بها تشتعل مرة ومرات من مكان لآخر، ويدفع ثمنها الضعفاء دوما.
في بلدي اليمن حرب لم تبقي ولم تذر فدمرت كل شيء، وانهار الاخلاق، وماذا يتبقى لمجتمع فقد اخلاقه، غير التناحر والازدراء والاحتقار والتشفي، ومزيدا من الاهانات والاذلال والدوس على كرامة الانسان، فلا كرامة لمجتمع و أمة بدون كرامة الانسان .
في عدن المدينة والمدنية، حيث يعيش مجتمع متسامح ومتعايش مع بعضه البعض بسلام ، قيل عنها أم المساكين، في كل حرب يغزوها العنف ويسيد الجهل والعصبية والقبلية الممزوجة بالقروية، حيث ترتفع اصوات حناجر دعاة الكراهية ليصبوا غضبهم على مجتمع مسالم متنوع الاعراق والثقافات والاطياف، يعيش منذ الازل في تعايش جميل نهض بالمجتمع والمدينة لتعانق مدن العالم المتطور، حيث كان يشار لها بالبنان كثاني ميناء عالمي، و منطقة حرة ومركز اقتصادي واتجاري هام، ومجتمع متحضر بالاندماج فيه يرتقي الانسان فكريا وثقافيا واجتماعيا، تشذيب سلوكه وتطهيره من عصبيات المنشأ من عادات وتقاليد بالية، وتمايز عرقي وسلالي.
هذه المدينة الثائرة، وما تمتلك من ارث نضالي كبير، كمنبر ثقافي وفكري داعم لحركات التحرر والثورات، كسبتمبر واكتوبر، منشأ الحركة العمالية نواة الحركة الوطنية، احتضنت النعمان والزبيري، ولقمان وبأذيب وغيرهم من ثوار جبهة التحرير والقومية وحزب الشعب، منطلق ثورة 48م ضد الإمامة، فيها لا يسأل الانسان من اين هو؟ بل يسأل من هو؟، فلا قبول للمناطقية والعنصرية فيها، فسماع نغمات مناطقية ترتفع كزبد البحر يعكر ماءها النقي والطاهر، تثيرها افكار مشوهة في تقييم تجربة كانت لها وعليها من الايجابيات والسلبيات، لتقييمها نحتاج لوعي وعقول وبحث ودراسة وعلم، فتركت للجهل يعبث بها، ويقيمها وفق مزاج عقيم، فنثروا فيها العنصرين امراضهم ومصابهم ، وغرسوا بين الناس فتن ، لتصيب حياة بعض الفئات المستهدفة مُرَّا وعلقما، فصنفوا الناس لعرب 48م ، وبدوا بالتنابز بالألقاب والتنازع القبلي، فشهدنا من يرتكب الكبائر ويهين المجتمع والناس، ثم يذبح ثور وعفى الله عما سلف، في ظاهرة لا تقبلها عدن ومجتمعها المدني، والناس تدافع عن هويتها المدنية، ولكن البعض يرفض معنى (الهوية العدنية) كهوية تميز عدن عن غيرها، بالقول كلنا عدن هي عاصمتنا وهي حقنا، كلام مفروغ من معناه .
ما يقوم به بعض دعاة العنصرية من فرز يمزق المجتمع المدني في عدن ، ويشرخ النسيج الجميل بتنوعه وتعايشه، ويحدث فروقات طبقية وعنصرية بغيضة، لهدف الاستمرار حكم هذه المدينة، بسياسة فرق تسود الاستعمارية، تمزيق المجتمع واضح من خلال استهدافه في الخدمات والمعيشة واستغلال السلطة والثروة، وتوظيف المحتاجين لخدمة الاسياد، يراد له ان يكون مجتمع قطيع من المحتاجين والجياع والمرتزقة والمتسلقين.
من المؤسف ان يتحول بعض التقدميين والأمميين لعنصريين، يرمون خيبتهم بفشل نظامهم على ابناء عدن، الذين قدم اجدادهم منذ قرن ومن مناطق مختلفة من شمال والوطن وجنوبه، فسكونها وسكنتهم وصاروا (عدانية) اب عن جد، فلا نحتاج لفتح جراح غائرة لصراعات كانت عصبيات القبيلة والعشيرة والايدلوجيا سببا في حدوثها، وعلينا تجاوزها لا استجرارها.
التاريخ لا يرحم ويدون حقيقة ما دار وما يدور، تحرر الجنوب وعدن هي النقطة المضيئة والمنبر المشع علما وثقافة، وكلما ابتعدت الجغرافيا عن عدن كلما اظلمت الحياة وساد الجهل والتخلف، وتحرك جنود مثقفي ومعلمي عدن لنشر التعليم والعلم والثقافة والتحضر، كان مجتمع عدن المدني بتنوعه هو المنقذ، فنكران جحود، لمن يعيبون تنوع عدن اليوم.
لا يمكن ان ينهض الجنوب الا بنهضة عدن، ولن تنهض عدن بهذه الثقافة البليدة، ستنهض عدن بتنوع مجتمعها وتأزره الانساني، بالتعاون المشترك والتعايش والتسامح والسلام ، وما الصراعات الا وابل تنتج لنا وحوش بشرية ونفوس مريضة وعنصرية بغيضة وارهاب وفساد.
فالعنصرية مرض منذ النشأة، تخمده التربية والتعليم والعلم والمعرفة ، و يحد منه النظام والقانون والاخلاقيات، لا يتغلب الا على من به ضعف عقلي ونفسي، واللهم قوينا حتى لا نقع في فخ العنصرية واهدي دعاتها لجادة الصواب.




