كتابات خاصة

حديث في القيادة والزعامة: حضورا وغيابا

 

  • عاشت الشعوب العربية في العقد الأخير اختبارا قاسيا بين توق الحرية وتفكك الدولة، وسط عجز النخب وصعود الجهال. وظل سؤال “الرشد” حاضرا كقيمة وشرط للحكم الرشيد، لكنه لم يتبلور في مشروع متكامل يربط الفرد بالمجتمع، والقيادة بالمؤسسة، والثورة بالدولة. وقد صاغ الشاعر الجاهلي الأفوه الأودي هذه الإشكالية ببلاغة مكثفة في قصيدته التي منها:

“لا يَصلُحُ الناس فوضى لا سَراةَ لهم**

ولا سَـراةَ إِذا جُهّـالُـهم سـادوا”

  • تشكل هذه الأبيات عتبة فكرية لفهم معضلة الحكم، ملخصها: لا نظام بلا قادة، ولا نفع لقادة إن كانوا جهلة. فالقيادة ضرورة، لكنها لا تصلح إلا إذا كانت راشدة.
  • إن حال الناس لا يستقيم في غياب القيادة؛ فالفوضى تمثل حالة هشاشة جماعية، تفتح المجال امام صراع الغرائز، ويعلو فيها منطق القوة الغاشمة، لكن القيادة وحدها لا تكفي، إذ إن وجود السَرَاة/ القادة لا يضمن الصلاح إذا كانوا جهالا، وقتذاك تتحول الزعامة او القيادة من وسيلة بناء وتنمية إلى أداة تخريب وإفساد، ومن حصن للأمانة إلى وكر للخيانة، ومن هنا تتجلى حكمة هذا البيت الذي لا يكتفي بإدانة الفوضى، وانما يحذر من بديلها الفاسد.
  • تكمن قيمة هذا البيت في قدرته على كشف قاعدة سياسية تتكرر كلما اختل توازن المجتمع واضطربت موازين القيادة فيه، فضلا عن تصويره لحظة تاريخية بعينها. فإذا غاب العقلاء عن مواقع التأثير، انفتحت الأبواب أمام الفوضى، وإذا تصدر الجهال ساحة القرار، تحول الاضطراب/ الفوضى إلى مسار دائم يقود الشعب نحو مزيد من الانهيار.
  • والذي يتقدم إلى الزعامة دون رشد، كمن يقود في طريق معتم بلا نور، ولا خريطة، ولا دليل. ربما يمتلك قدرة على الحشد، او مهارة في الخطابة، أو سرعة في الحسم، لكنه يفتقر إلى البصيرة الواعية التي تميز بين القرار وتداعياته، وبين الفعل المسؤول والانفعال العاطفي، وبين الحلول الوقتية والمعالجات الجذرية. ومن يفتقد هذه البصيرة لا يستطيع أن يصوغ مشروعا وطنيا متماسكا، ولا أن ينتشل الناس من أزمتهم.
  • فالزعيم أو القائد لا يكتسب أهليته من الألقاب أو من المظاهر الشكلية، ولكنه يبرهن عليها من خلال عمق الفهم، ودقة التقدير، وسلامة المعيار الذي يحتكم إليه في مواقفه وخياراته. والقائد الراشد يعرف متى يتقدم دون تهور، ومتى يتراجع دون ضعف، ويجيد التمييز بين الانفعال المسؤول وردود الأفعال العابرة.
  • ويكتمل المعنى في البيت التالي من القصيدة:

“تُهدى الأمور بأهل الرأي ما صلُحت

‏وإن تـولّت فبـالأشـرار تنقـاد”

  • لا يكفي وجود الحاكم لتحقيق الصلاح ما لم يكن راشدا، يعرف موقعه وحدوده، ويدرك أن السلطة أمانة ومسؤولية، لا غنيمة ولا مكسب؛ فالقرار الرشيد يصدر عن الكفاءة والرؤية، لا عن المنصب وحده، وإذا غاب أهل البصيرة والرشد عن مشهد القيادة، سواء بالتهميش أو بالعزوف، شغل الطامحون الفارغون الساحة القيادية الخالية، وسخروا النفوذ، قبليا أو مناطقيا أو حزبيا أو طائفيا، لخدمة مصالحهم الضيقة وعصبياتهم الخاصة.
  • والتجربة التاريخية تظهر أن الفوضى، على قسوتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم تستمر طويلا، لأن غياب النظام، رغم ما يسببه من ارتباك، لا يعطل بالضرورة وعي المجتمعات بوجهتها الكبرى. فحتى مع الفراغ المؤسسي، يبقى الشعور العام بقيم المواطنة حيا.. أما الخطر الأعمق، فيكمن في القيادة غير الراشدة، لأنها تفسد وعي الناس بها، وتشوه المفاهيم التي ينبنى عليها الإدراك الجمعي، فتضلل الأجيال في فهمها للقيم المؤسسة للعدالة والمواطنة.
  • من هنا، لا أظن من الصواب للناس أن يطلبوا الزعامة بدافع الحاجة إلى التنظيم فقط، لأن السؤال الأهم يتعلق بصفات من يتصدر، وبوعيه، وبالميزان الذي يحكم به الأمور. فالمجتمع الذي يمنح القيادة لمن يجهل شروطها، يمهد الطريق لمزيد من العنف والاضطراب، ويفتح أبواب الفتنة ظنا منه أنه يرسخ النظام.
  • والتردد في إنكار القيادة الفاسدة والمستبدة بدافع الخوف من الفوضى، يؤدي إلى تسارع انهيار المجتمعات، واندفاعها نحو فوضى أشد قسوة وأعمق أثرا. فالاستبداد الجاهل يهدم أسس النظام، ويغلق كل فرصة حقيقية لاستعادته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى