فكر وثقافة

رحلات العنسي تكسر كل الحواجز بين الأجناس الأدبية  

يمن مونيتور/ محمد الحمامصي  

بداية أؤكد أن قراءتي لكتاب الإعلامي اليمني البارز أنور العنسي “مرايا الأزمنة” انطباعية تحمل دهشتي بتمكنه من لغته وقدرته على صياغة رؤاه وأفكاره بحس عال من الفنية التي تمتد من الشعر إلى القصة إلى المشهد السينمائي وتجليات السرد في الرواية، فعندما حصلت على نسخة من “مرايا الأزمنة” كنت في زيارة لجناح مؤسسة أروقة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 54، أهداني إياها الصديق مجيب الصوفي، لأبدأ في تقليب صفحاته بشكل عشوائي، وكان الانطباع الأول أنني أمام كتب أولا حب وشغف وإبداع وثانيا معرفة وثقافة عميقة.  

وعادتي شخصيا بحكم عملي الطويل في استعراض الكتب على اختلافها، أنني مع التقليب الأول لصفحات هذا الكتاب أو ذاك، انتاجا فكريا أو إبداعيا أن اتخذ موقفا يتحدد عليه استمراري في الاحتفاظ به وقراءة أو سيكون مصيره التجاهل، وبشأن “مرايا الأزمنة” فقد كان موقفي أنه كتاب يقرأ ويستمتع بقراءته، خاصة أنه مر عليّ الكثير من كتب أدب الرحلات القديم والحديثة التي حملت رؤى وأفكار مبدعين ومفكرين وجوالة، وأضاءت الكثير من أعراف وتقاليد وعادات البلدان والمدن التي زارها مؤلفوها، وكانت لي ملاحظات على الحديث من هذه الكتب تتخلص في اعتمادها على الوصف والتسجيل دون التماس مع السكان والتأثر بالمكان والمواقف والأحداث، الأمر الذي كان ينعكس سلبا على لغتها وحميمية ما تسرده من مشاهدات.  

وهنا لدى العنسي روح متوهجة بالحياة تناقضاتها وإيجابياتها، هزائمها وانتصاراتها، وقد انعكس ذلك على التشكيلات الجمالية لطرائق السرد التي جاءت مفعمة بالإبداع والرؤى والأفكار، فالعنسي فيما يبدو من خلال الكتاب يتمتع بتكوين معرفي وثقافي عربي وغربي عميق، بالتأكيد هذا الوصول لهذا التكوين لم يكن أمرا عاديا بسيطا بل كان رحلة حياة وإصرار وإرادة تسعى لاتساع آفاق رؤيتها لللعالم.  

ملامح هذا التكوين تتجلى انطلاقا من اليمن بدءا من قرية “الذاري” بمحافظ أب وسط اليمن، ومدن ذمار وتعز وصنعاء شبام حضرموت ومأرب، ومرورا بمدن المشرق والمغرب وأفريقيا وشرق آسيا وأمريكا وانتهاء بمدن أوروبا، حيث تترك كل مدينة بصماتها على روح وجسد العنسي، لنرى لتقلبات حياته وتطورتها داخل تاريخ وتراث وثقافة وعمران وطبائع وتقاليد وعادات كل مدينة مر بها وعاشها عاشقا أو حالما أو باحثا غن المعرفة، وهذا ما جعله يتجاوز الوصف والتسجيل ويمسك بتلابيب التكوين الذي شكل هذه المدينة أو تلك وينسج منها نصوصا أكد هو نفسه أنها “تكسر كل الحواجز بين الأجناس الأدبية”.  

هل نحن أمام سيرة ذاتية أكثر من كوننا أمام كتاب يندرج تحت أدب الرحلات، وإذا أكدت ذلك فلن أكون مغاليا في تقديري، فكل هذه المدن من الشرق والغرب تتفاعل مع سيرة ومسيرة العنسي الحياتية وتشكل جانبا مهما ـ كما هو واضح في الكتاب ـ من شخصيته وتكوينه كإنسان ومبدع وإعلامي، بدءا من قريته “الذاري” في اليمن ومرورا بمطاردة هيام السورية له في دمشق أو بحثه عن عبد الصمد وحبه ماريا، أو لقاءاته وتفاعلاته مع كتابات مثقفين وروائيين وشعراء وغيرهم، أو حتى المشاهد المؤلمة التي أحزنته لدى مروره هنا أو هناك، كل ذلك هو جزء لا يتجزأ من سيرة حياته الإنسانية والفكرية والإبداعية.  

يرسم العنسي صورا شديدة النضارة ـ بغض النظر إن كانت مؤلمة أو مفرحة أو مفارقة ـ دون افتعال أو قصدية، ويتجلى ذلك كثيرا في كتابته عن دمشق، وبيروت، والكويت وباريس والدار البيضاء، إنه يرسم انطلاقا من حالة حب وهيام، ليس فقط بالجمال المكاني أو المعماري أو الثقافي بل أيضا بالجمال الإنساني لأولئك الذين ربما التقاهم مصادفة  

ولأننا أمام رحلة متجهة في أكثر من مسار فيمكن كي نسافر مع العنسي أن نختار نموذجا من فضاءات الرحلة وليكن رحلته إلى ميلان دون أن نغفل تنافذاتها مع الرحلات الأخرى، وعمق لفتته إلى الاحترام المتبادل والتعايش بسلام بين الثقافات والأديان، إذ يقدم دليلا على إمكانية التعايش السلمي بين الجميع، فالفندق الذي نزل به يشكل صورة مصغرة للعالم على اتساعه شرقا وغربا، أنه وفقا لموظف الاستقبال يضم نزلاء من أربعين جنسية، بل إنه ـ الفندق ـ يستقبل أسبوعيا نزلاء من مائة وخمسين دولة، هكذا تجتمع أجناس وأعراق وثقافات.  

أيضا في رحلته إلى أثينا/ اليونان بحثا عن صديقه عبد الصمد تدهشنا شخصية ماريا الطالبة الأرمنية التي قررت مساعدته في البحث عن صديقه، والتي فارقها فيما يبدو مكرها لكنه لم ينسها على الرغم من جريان مياه كثيرة في حياته حتى إذا التقاها  في مطار إسكيفول بأمستردام بادرته بالسؤال: هل عثرت على عبد الصمد؟.  

  

   

  

المصدر: دار الهلال 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى