أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

مطار صنعاء يعيد رسم قواعد الاشتباك.. هل يدخل اليمن مرحلة جديدة من التصعيد؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/من افتخار عبده

شهدت الساحة اليمنية، منذ الساعات الأولى ليوم أمس الاثنين، تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، وضعت البلاد أمام موجة جديدة من التصعيد، بدأت ببيان لوزارة الخارجية في حكومة جماعة الحوثيين (غير المعترف بها دوليًا)، والذي زادت فيه لهجتها التصعيدية تجاه المملكة العربية السعودية، محذرةً من أي خطوات تستهدف ترسيخ القيود المفروضة على مطار صنعاء الدولي، ومحمّلةً الرياض المسؤولية الكاملة عن تداعيات أي تصعيد محتمل.

وردًا على هذا البيان أكد رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي أن الحوثيين أصروا على المضي في استقبال رحلة إيرانية جوية جديدة خارج الأطر القانونية والسيادية المنظمة لحركة الطيران المدني معتبرًا ذلك استخفافًا متعمدًا بمؤسسات الدولة، ورفضًا صريحًا لكل الجهود الرامية إلى منع انزلاق اليمن نحو مزيد من التصعيد.

ووجّه العليمي، في بيان له، “الحكومة والقوات المسلحة، بمواصلة رفع أعلى درجات الجاهزية واليقظة، واتخاذ جميع التدابير السياسية والدبلوماسية والقانونية، وكافة الإجراءات المشروعة التي يكفلها الدستور والقانون الدولي، بما يضمن حماية السيادة الوطنية، ومنع تكرار مثل هذه الانتهاكات؛ محملًا الحوثيين المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد، وعن جميع ما قد يترتب عليه من تداعيات تمس أمن اليمن واستقراره، ومطالبًا بالانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع، وإنفاذ قرارات مجلس الأمن.

وقبيل ذلك، قال وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي في بيان، إن اختراق الطائرات الإيرانية الأجواء اليمنية ليس الأول، وإنما اختلف عن سابقيه بالتحدي للشرعية الدولية، مؤكدًا بقوله ” نفد الصبر، وعليه سنقوم بالرد المناسب على هذا العمل الغاشم الغادر، وبالتصدي والتعامل مع الطيران المعادي المنتهك للأجواء والسيادة اليمنية وبجميع الوسائل المتاحة، حتى نلقن العدو درسًا يسمع به القاصي والداني، وتعلم به الأجيال القادمة”.

تصعيد متواصل

وتلى هذا الموقف بدقائق إعلان وزارة الدفاع في الحكومة الشرعية استهدافها، مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، بعد لحظات من طلبها إخلاء المطار وتحذير المواطنين من الاقتراب منه.

في المقابل اتهم الحوثيون المملكة العربية السعودية باستهداف مطار صنعاء الدولي بعدد من الغارات الجوية، مؤكدين على لسان المتحدث العسكري للجماعة يحيي سريع أن هذا الهجوم أنهى مرحلة خفض التصعيد، وعلى” النظام السعودي تحمل عواقب عدوانه” مهددين بأن” هذا العدوان لن يمر دون رد وعقاب”.

وعقب استهداف المطار هبطت طائرة إيرانية في مطار الحديدة بحسب ما ذكرته وكالة سبأ التابعة للحوثيين، بأن الطائرة الإيرانية كانت تقل وفد الجماعة بعد مشاركته في تشييع جثمان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، في العاصمة طهران، وقد غادرت الطائرة بعد ساعات من هبوطها.

ولم تتوقف التطورات عند المشهد اليمني، فبعد ساعات من مغادرة الطائرة الإيرانية، أعلن المتحدث باسم قوات التحالف أن الدفاعات الجوية السعودية اعترضت تهديداً بصواريخ باليستية أطلقتها جماعة الحوثي.

وبعد نحو ساعة، أعلن المتحدث العسكري للحوثيين مسؤولية الجماعة عن استهداف مطار أبها الدولي بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وقال إن الهجوم جاء رداً على استهداف مطار صنعاء.

قراءة في التصعيد

بهذا الشأن اعتبر الصحفي والمحلل السياسي عبد الواسع الفاتكي أن القصف الجوي الذي نفذته القوات الحكومية لمدرج مطار صنعاء، بالتزامن مع اقتراب طائرة تابعة للخطوط الجوية الإيرانية من المطار، جاء تتويجًا لتحذيرات حكومية سابقة بإخلاء المطار، ويعكس انتقال الحكومة الشرعية من مرحلة التحذير إلى فرض السيادة الوطنية ميدانيًا، بعد استنفاد الوسائل الدبلوماسية لمنع إيران من اختراق الأجواء اليمنية.

وأوضح الفاتكي، في تصريح لـ”يمن مونيتور”، أن القصف أجبر الطائرة الإيرانية على تغيير مسارها والهبوط اضطراريًا في مطار الحديدة الخاضع لسيطرة جماعة الحوثي، معتبرًا أن هذا التطور فتح الباب أمام أزمة جديدة تتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد سياسية وإقليمية.

ويرى أن إصرار إيران على تسيير رحلة ثانية كان العامل الحاسم الذي دفع الحكومة اليمنية إلى ترجمة تهديداتها إلى تحرك عسكري، وهو ما انسجم مع بيانها الرسمي الذي أكدت فيه أنها لن تسمح بتحويل الأجواء اليمنية إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الإيراني، مع إعلان استعدادها لرفع القضية بصورة عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي.

وأردف أن الحكومة الشرعية تسعى، من خلال هذه الخطوة، إلى اختبار مدى جدية المجتمع الدولي في دعم قرارات الشرعية الدولية، وكسر سياسة فرض الأمر الواقع التي تنتهجها جماعة الحوثي بدعم إيراني.

وفي المقابل، يرى أن إيران تسعى إلى تعزيز نفوذها الإقليمي وربط اليمن بمشروعها في المنطقة، بينما يحاول الحوثيون استثمار التصعيد لتعزيز شرعيتهم الداخلية، وامتلاك أوراق ضغط إضافية يمكن توظيفها في أي مفاوضات سياسية مستقبلية.

أبعاد التصعيد 

وبحسب الفاتكي، فإن ملامح المرحلة المقبلة ستتحدد وفق عاملين رئيسيين هما نتائج جلسة مجلس الأمن المرتقبة استجابة لطلب الحكومة اليمنية، وطبيعة الرد الحوثي المتوقع خلال الساعات المقبلة.

وأضاف أنه إذا بقي الرد الحوثي محصورًا داخل الأراضي اليمنية، فمن المرجح أن يظل التصعيد في إطار ضربات رمزية محدودة، أما إذا امتدت المواجهة إلى الأراضي السعودية، فإن اليمن قد يعود مجددًا إلى مربع المواجهة الإقليمية المفتوحة، خصوصًا في ظل تأكيد الرياض أن أي رد سيكون حاسمًا وقويًا وغير مسبوق.

وخلص الفاتكي إلى أن ما جرى لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد منع لرحلة جوية، بل يمثل إعلانًا عن مرحلة جديدة في الصراع اليمني، تُطرح فيها مسألة السيادة الوطنية وقواعد الاشتباك على طاولة المواجهة، بما ينذر بتداعيات قد تقوض حالة الهدوء الهش التي شهدتها البلاد منذ عام 2022.

في السياق قال الدكتور فارس البيل، في تصريح خاص لـ”يمن مونيتور”، أن هذا التصعيد يعد خطوة إيرانية تستهدف زيادة الضغط على القوى الغربية، وتفعيل قدرات لم تُستغل من قبل، إلى جانب محاولة إرباك المنطقة واستفزاز المملكة العربية السعودية بشكل مباشر لتحقيق مآرب متعددة الأبعاد.

ووصف الدكتور البيل التحركات الحوثية الأخيرة بأنها “نوع من الابتزاز والتصعيد الممنهج الذي تمليه السياسة الإيرانية”، مؤكدًا أن الجماعة مسيّرة بالكامل ولا تملك القدرة على إطلاق مثل هذه المواقف دون ضوء أخضر من طهران.

وأضاف البيل أن الحوثيين يسعون عبر هذا التصعيد إلى ابتزاز السعودية، والهروب من واقع الضغوط الشعبية الداخلية المتزايدة؛ إذ تعمد الجماعة عند هدوء الجبهات العسكرية إلى اختلاق معارك -ولو إعلامية- لتشتيت الرأي العام، فضلًا عن رغبتها في إثبات حضورها والضغط على المجتمع الدولي لإشراكها في ترتيبات واستحقاقات المستقبل.

وقلل المحلل السياسي من حجم التصعيد الحوثي قائلاً: “قد تنفذ الجماعة بعض العمليات البسيطة التي لا تشكل تهديدًا عسكريًا حقيقيًا على المملكة، خاصة وأن بيان التحالف الصارم الذي صدر مسبقًا كان واضحًا وحازمًا في أن الرد سيكون قاسيًا ضد أي محاولة تستهدف المملكة”.

وفي سياق متصل، أشاد البيل بالتحركات الدبلوماسية والبيانات الأخيرة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي والتقائه بسفراء الدول الراعية للسلام لإطلاعهم على الموقف، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تعيد إلى الأذهان تحركات مشابهة إبان أحداث ديسمبر وما تلاها.

وأكد أن هذا الحراك يوحي بأن لدى الشرعية ترتيبات تصاعدية وخيارات عملية جاهزة في حال استمرار التعنت الحوثي، بالتوازي مع صدور توجيهات وإيعاز للقوات المسلحة والتشكيلات العسكرية على الأرض برفع الجاهزية والاستعداد الأقصى.

مسار سلام ميت

وعن فرص السلام، أكد الدكتور فارس البيل أن مسار التهدئة ضئيل جدًا ولا يمكن البناء عليه، واصفًا الهدن السابقة بأنها كانت “تكتيكية وميتة”، فرضتها طبيعة توازنات الصراع الإقليمي ولم تكن تمهيدًا لتفاوض حقيقي.

ولفت إلى أن”جميع الأطراف -وخاصة الحوثيين- تدرك أن التهدئة مجرد ترتيب عسكري للخطوات القادمة؛ فالجماعة تؤمن بأن السلام يجرّدها من مكاسبها العسكرية والمادية والمذهبّية، لذا هي لا تعيش إلا في أتون الحرب التي نشأت من أجلها برعاية إيرانية”.

وبيَّن أن “خارطة الطريق لم تعد مطروحة بمعناها الكامل، وأن السلوك الحوثي يبعث برسالة واضحة للمجتمع الدولي والوسطاء تفيد بأن الجماعة ليست في وارد السلام مطلقًا؛ بل إن مهمتها تخريبية وتدميرية.

واختتم البيل تصريحه بالتأكيد على أن مليشيا الحوثي لا تمتلك قرار السلم أو الحرب، وتتحرك كليًا بإشارات من طهران، وهو ما ثبت طيلة الأعوام الثلاثة الماضية.

وخلص إلى أن التصعيد الأخير يعكس رغبة إيران في تجديد أوراق الابتزاز ضد الغرب ودول الخليج، لاسيما بعد تراجع فاعلية أوراقها الأخرى في المنطقة كلبنان مؤكدًا أن هذا المخطط سيفشل أمام الرغبة الأكيدة للشرعية في الخلاص من الميليشيا، معتبرًا أن أي تحرك عسكري جاد ومسنود من الشرعية كفيل بإسقاط هذه الورقة من اليد الإيرانية تمامًا.

إجهاض مسارات التهدئة

بدوره أكد المحلل السياسي موسى المقطري، أن” الخطوات التصعيدية الأخيرة التي تقودها جماعة الحوثي بدعم وتعاون مباشر من طهران، تحمل ارتدادات سلبية خطيرة على جهود عملية السلام وصياغة مقرراتها.

وحذر المقطري في تصريح خاص أدلى به لـ ” يمن مونيتور”، من أن هذا السلوك من شأنه إجهاض مسارات الحوار ووقف التفاهمات السياسية، مستدلًا بتجميد صفقة تبادل الأسرى من قبل المليشيات السبت الماضي.

واعتبر المقطري أن أي شكل من أشكال التصعيد يمثل “مسمارًا يُدق في نعش هذه التفاهمات، مشيرًا إلى أن التاريخ السياسي للجماعة يبرهن على تبنيها استراتيجية إجهاض المساعي السياسية قبل اكتمالها؛ إذ تنصلت مرارًا من التزاماتها في اللحظات الأخيرة، وأنكرت تواقيعها على تفاهمات سابقة، بدءًا من “اتفاق السلم والشراكة” في العام 2014.

وأضاف أن تعنت الحوثيين الحالي قد يجابه برهانات عسكرية تصعيدية من قبل التحالف العربي، وتحديدًا المملكة العربية السعودية والشرعية اليمنية، عبر توجيه المزيد من الضربات الجوية المركزة والمحددة على مواقع حساسة، وهو ما يعيد الوضع العسكري للمربع الأول ويغلق أبواب الجهود السياسية المبذولة.

الملاحة الدولية والتبعية المطلقة لقرار طهران

وحذر المحلل السياسي من أن تداعيات هذا التصعيد لن تتوقف عند الداخل اليمني، بل ستمتد لتضرب أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة في مقتل، وتهدد خطوط التجارة العالمية وأمن الطاقة الدولي، مما يهيئ المنطقة للدخول في مرحلة فوضى عسكرية جديدة قد تستدعي تدخل قوى دولية كبرى كأمريكا والاحتلال الإسرائيلي.

وعلى صعيد استقلالية القرار الحوثي، أكد المقطري بأن” الجماعة لا تملك قرار السلم أو الحرب منذ انقلابها، وأن التوجيهات تصدرت حصريًا من طهران؛ مستدلًا على ذلك بفترة الصمت التي التزمت بها الجماعة خلال الأشهر الماضية تزامنًا مع انشغال إيران باتفاقياتها الإقليمية والدولية وتوقف العمليات العسكرية ضدها لكن بمجرد أن تنفست طهران الصعداء، أوعزت للحوثيين بالتصعيد”.

وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم خيارات وقدرات دفاعية متفوقة جرى تعزيزها باتفاقيات أمنية ومنظومات حديثة منذ عهد إدارة ترامب، كما تمتلك الرياض ورقة الضربات الجوية؛ إذ يسود حاليًا ما يشبه الهدنة غير المعلنة تتوقف بموجبها الهجمات الحوثية مقابل توقف غارات الطيران السعودي.

واعتبر المقطري أن التحرك السعودي الحالي يتم في مساحة أفضل بكثير من السابق، مما يجعل التصعيد الحوثي مجرد بالونات إعلامية تفتقر للقيمة العسكرية على أرض الواقع.

واختتم المقطري تصريحه بالـتأكيد على أن المجلس الرئاسي والحكومة اليمنية يمتلكان القدرة الدبلوماسية لتسويق القضية دوليًا باعتبارها انتهاكًا صارخًا للحظر، ومخالفة قانونية ارتكبتها إيران، العضو في الأمم المتحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى