فريق زراعة الأعضاء في تعز يتطلع إلى إطلاق ثورة طبية في اليمن

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من عبدالحكيم هلال (الجزيرة الإنجليزية)
ترقد فتاة صغيرة على سرير مستشفى في تعز، جنوب غربي اليمن، وهي تتماثل للشفاء بعد خضوعها لعملية جراحية لعلاج عيب الحاجز الأذيني، المعروف باسم “ثقب في القلب”.
تعاني الطفلة نور ماجد، البالغة من العمر عشر سنوات، من عيب الحاجز الأذيني منذ الولادة. وتتسبب حالتها في مشاكل مستمرة في التنفس وإرهاق مزمن، ويُؤمل أن تساعدها الجراحة على عيش حياة مماثلة لحياة الفتيات الأخريات في مثل عمرها.
وكانت نور واحدة من بين 110 أطفال من مختلف أنحاء اليمن تلقوا العلاج مجاناً في مركز أمراض وجراحة القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى في تعز في الفترة ما بين 16 و21 مايو/أيار.
ويعد مخيم القسطرة وجراحة قلب الأطفال المعقدة، الذي تولى العلاج، جهداً متعدد الجنسيات يضم فرقاً طبية من جميع أنحاء العالم وبدعم من جمعية قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري.
وأجرى العمليات الجراحية للأطفال أطباء قطريون وعرب وفرنسيون من مركز سدرة للطب في قطر، وهو أحد المستشفيات الرائدة عالمياً في مجال طب القلب، بمشاركة أطباء استشاريين من مختلف أنحاء اليمن.

وأوضح البروفيسور أبو ذر الجندي، الذي يرأس مركز أمراض وجراحة القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى منذ تأسيسه في تعز في يوليو/تموز 2021، في تصريح للجزيرة أن هذا المخيم يمثل إنجازاً كبيراً للقطاع الطبي في اليمن.
وقال الجندي: “هذا هو أكبر مخيم طبي في البلاد تُجرى فيه عمليات معقدة من هذا النوع بهذا العدد وضمن هذه الفترة الزمنية الحرجة”.
ومنذ تأسيسه قبل خمس سنوات فقط، أصبح هذا المرفق يُعرف كأحد أبرز الإنجازات الطبية في اليمن في الآونة الأخيرة.
ورغم الحرب المستمرة في البلاد، أجرى المركز 164 عملية زراعة كلى، و1450 جراحة قلب مفتوح، ونحو 4000 عملية أوعية دموية، و4340 إجراء قسطرة، و1500 عملية مسالك بولية منذ أن فتح أبوابه للمرضى.
وكان المستفيد الأكبر هم اليمنيون المصابون بأمراض القلب والأوعية الدموية والكلى والذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العمليات أو زراعة الأعضاء في الخارج. وفي ظل غياب العلاج المناسب داخل الوطن، أضحى هذا المرفق منقذاً حقيقياً لحياة مئات المرضى في اليمن.
وفي الشهر الماضي، أعلن المركز عن إجراء أول ثلاث عمليات زراعة كبد، وهو ما حظي باهتمام دولي، وقد يمثل الخطوة الأولى نحو برنامج مستدام لعلاج أمراض الكبد في اليمن.
ويحذر البروفيسور الجندي من أن الوقت وحده هو الذي سيحدد مدى نجاح هذه العمليات، لكنه يأمل أن تكون النتائج إيجابية.
وأضاف قائلًا: “لقد أطلقنا هذا البرنامج [زراعة الكبد] بهدوء وحذر مع حالتين، ثم حالة ثالثة، وسنواصل العمل تدريجياً. ولن نعلن عن النتائج الأولية إلا بعد إجراء 10 عمليات زراعة، ثم 50 عملية، تماماً كما فعلنا مع برنامج القلب”.
وقد عانت تعز أكثر من معظم المناطق الأخرى في اليمن، إذ أدى الحصار والقصف إلى جعل النظام الصحي في المدينة من أوائل الأنظمة المنهارة خلال الحرب. ولهذا السبب، يُنظر إلى ظهور هذا المرفق الطبي في مدينته المحاصرة والمنهكة كمعجزة.
من جانبه، قال الدكتور نادر الحمادي، وهو طبيب مقيم في وحدة جراحة القلب والأوعية الدموية، إن تمكن اليمنيين من تلقي العلاج داخل وطنهم يوفر التكاليف والوقت على المرضى.
وأوضح في حديثه للجزيرة قائلاً: “كان المريض يعاني سابقاً من مضاعفات السفر إلى الخارج لإجراء جراحة القلب المفتوح، سواء لزراعة مجازات الشريان التاجي أو تغيير الصمامات الميكانيكية”.
وتابع: “تكلفة مثل هذه العمليات في الخارج يمكن أن تصل إلى قرابة 20 ألف دولار، بالإضافة إلى تكاليف السفر والإقامة والمعيشة. في حين تُجرى العملية نفسها في مركز القلب والأوعية الدموية في تعز بـ5000 دولار فقط، لا يدفع منها المريض سوى 2000 دولار، بينما يتكفل فاعلو الخير، مثل مجموعة هائل سعيد أنعم، وشركة الزيلعي، وبنك الكريمي، وغيرهم، بتغطية بقية المبلغ”.
وقد أجرى المرفق الآن 1500 جراحة قلب مفتوح، مما منح الجراحين خبرة قيمة وقدم للمرضى رعاية ميسورة التكلفة ومنقذة للحياة.
وأضاف الحمادي: “من المؤكد أن 1000 من هذه العمليات كانت ستُجرى في الخارج لو لم يُفتتح المركز”.
واستطرد قائلاً: “بل إن هناك عمليات لا تُجرى حتى في الخارج، مثل جراحات القلب ذات التدخل المحدود، والتي نتميز بها حيث أجرينا 220 حالة منها. ولذلك، يضطر العديد من المغتربين للسفر إلينا لإجرائها”.
وبالنسبة للبروفيسور الجندي، كان إنشاء وحدة طبية لعلاج أمراض القلب في مسقط رأسه بتعز حلماً يراوده منذ عودته إلى الوطن عام 2009 بعد إتمام دراسته في جامعة بافلوف الأولى الطبية الحكومية بسانت بطرسبرغ في روسيا.
وقد واجه تحديات لا حصر لها في سبيل تحقيق ذلك، لكن عزيمته وصبره يمثلان قصة نجاح ملهمة لجيل في اليمن تحطمت آماله وأحلامه طوال عقد من الزمن بسبب الحرب.
وفي أبريل/نيسان 2018، غادر البروفيسور الجندي – وهو استشاري جراحة القلب والأوعية الدموية الوحيد في تعز بعد أن تملكه الإحباط والإنهاك من الحرب كغيره – إلى المملكة العربية السعودية للعمل في مدينة الملك فهد الطبية.
ولكن بعد ذلك، وتحديداً في يوليو/تموز 2021، تلقى مكالمة هاتفية من محافظ تعز، الذي سأله عما إذا كان لا يزال يرغب في إنشاء مركز للقلب والأوعية الدموية في المدينة، وأخبره المحافظ أنه إذا كان جاداً، فعليه العودة إلى الوطن على الفور.
وعند وصوله إلى تعز، وجد أن طابقين فقط من مستشفى الجمهوري المدمر يمكن استخدامهما، في حين كان جهاز القسطرة الوحيد المستخدم لعلاج أمراض القلب خارج الخدمة أيضاً.
ورغم ذلك، أصر الجندي ونجح في الحصول على دعم من مؤسسات القطاع الخاص لبدء العملية الصعبة المتمثلة في تحويل مركز أمراض وجراحة القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى من مجرد فكرة إلى واقع ملموس.
وقال: “لقد بدأنا من الصفر، لكن مجموعة هائل سعيد أنعم كانت تقف إلى جانبنا دائماً عند الحاجة”، مشيراً إلى الشركة متعددة الجنسيات التي قدمت دعماً مستمراً للفرق الطبية في اليمن خلال الحرب.
وأردف: “لقد وافقوا على تزويدنا بجميع معدات ومستلزمات جراحة القلب التابعة لمستشفى اليمن الدولي، الذي كان الأكبر والأفضل في تعز قبل إغلاقه عام 2015 بسبب الحرب”.
وبعد أن كان المركز يجري ما بين ثلاث إلى خمس عمليات جراحية شهرياً في عامه الأول من التشغيل، بات مركز أمراض وجراحة القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى ينفذ الآن 500 عملية شهرياً، ويشمل ذلك 50 جراحة قلب للبالغين، و70 جراحة أوعية دموية، و300 إجراء قسطرة قلبية.
وعندما افتُتح المركز، كان يضم ستة أسرة فقط في الطابق الأول، أما اليوم فهو يضم 131 سريراً، من بينها 23 سريراً مخصصاً للعناية المركزة، مما يسمح له بعلاج المزيد من المرضى في اليمن.
وأضاف الجندي: “خلال العام الأول للمركز، أجرينا 60 جراحة قلب مفتوح؛ واليوم، نُجري 60 عملية في شهر واحد. وهذا يعني أنه أكبر مركز في اليمن يجري عمليات القلب المفتوح”.
واختتم قائلاً: “لقد تأثرت بالتفكير الروسي، وتعلمت منهم كيف يمكنك البدء من الصفر والعمل داخل مبنى مدمر بنوافذ تفتقر إلى الزجاج. لقد كسبنا الثقة، لكن الحلم لم يكتمل بعد؛ فالتحديات، تماماً مثل الطموح، لا تنتهي أبداً”.




