انقلاب موازين المحور الإيراني.. جماعة الحوثي تحلق بأجنحتها بينما يترنح حاضنها اللبناني

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من فارع المسلمي (New Lines Magazine)
في عام 2007، وفي مطعم “بوابة دمشق” الواقع على أطراف العاصمة السورية، كان رجلان يلتقيان بانتظام بمسؤول يمني رفيع المستوى. وكان هذا المطعم واحداً من أماكن عدة في دمشق يمر عبرها رجال الأعمال والوسطاء والشخصيات السياسية اليمنية بسلاسة نسبية؛ إذ جعل نظام التأشيرات السوري من المدينة مكاناً يسهل الوصول إليه ويتمتع بالسرية في آن واحد. ومع ذلك، فإن ما جرى نقاشه هناك لم يكن أمراً روتينياً على الإطلاق.
كان أحد الرجلين، والمعروف باسم “أبو هادي”، عنصراً إيرانياً مرتبطاً بالحرس الثوري الإسلامي، ويعمل بشكل وثيق مع حزب الله اللبناني. أما الآخر فكان خليل حرب، المعروف أيضاً باسم “أبو مصطفى”، وهو قائد بارز في حزب الله تولى لاحقاً الإشراف على تعاملات الحزب في اليمن. وفي ذلك الوقت، كان الرجلان يرسمان خريطة للمشهد السياسي اليمني، حيث استغل عناصر حزب الله هذه اللقاءات للتفكير في تولي دور أكبر عند الطرف الجنوبي الاستراتيجي لشبه الجزيرة العربية.
وبحلول ذلك الوقت، كان حزب الله قد أقام بالفعل اتصالات مع حركة الحوثي اليمنية وبدأ في تقديم دعم محدود لها. بيد أن ما كان يتشكل في دمشق كان أمراً أكثر تعمداً وتخطيطاً، حيث تدارس هؤلاء العناصر كيفية البناء على تلك العلاقة الأولية وتجاوزها، وكيف يمكنهم إعادة صياغة جماعة محلية نشأت على بعد أكثر من ألف ميل من معقل حزب الله، وذلك نيابة عن الجهة الراعية لهما: الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ووصف يمنيون حضروا هذه الاجتماعات لاحقاً كيف كان “أبو هادي” يتحدث علانية عن القيمة الاستراتيجية لليمن بالنسبة لإيران، ولا سيما موقعه على البحر الأحمر وقربه من المملكة العربية السعودية. وفي المقابل، كان “أبو مصطفى” أكثر منهجية؛ إذ ركز على العنصر البشري: البُنى القبلية، والفصائل السياسية، والشخصيات التي يمكن التقرب منها. لم يكن الأمر يتعلق بالتدخل المباشر بقدر ما كان يتعلق بتمهيد الأرض وحجز موضع قدم والاستعداد.
وبدأوا العمل عبر وسطاء مثل سلطان السامعي، وهو برلماني عن الحزب الاشتراكي من تعز يتمتع بنفوذ سياسي وقبلي معاً. ومن خلال شخصيات مثله – وآخرين يعملون عابرين للخطوط الحزبية والقبلية – وسّع حزب الله شبكته، وبنى علاقات لم تكن تعتمد حصراً على الحوثيين.
وبحلول عام 2009، انتقلت جهود حزب الله من مرحلة التخطيط إلى التطبيق الفعلي؛ حيث بدأ في إرسال مدربين ومستشارين إلى شمال اليمن. ووفقاً لمصادر أمنية يمنية، فقد ساعد هؤلاء في زرع الألغام، وبناء التحصينات الدفاعية، وتطويع التكتيكات العسكرية لتتلاءم مع طبيعة التضاريس. ومحلياً، كان يُشار إليهم باسم “زوار على طريق الجهاد”، وهي عبارة صاغت وجودهم بوصفه مؤقتاً وعقائدياً في آن واحد، حتى مع تزايد تجذره وترسخه يوماً بعد يوم.
وبقي بعض العناصر في أدوار استشارية، حيث قاموا بالوساطة في النزاعات الداخلية لحركة الحوثي والمساعدة في صياغة قرارات القيادة. في حين انخرط آخرون بشكل أعمق؛ ففي حالة واحدة موثقة على الأقل، دخل عنصر من حزب الله إلى اليمن بجواز سفر سوري وتحت هوية مستعارة، وعاش هناك لسنوات وتزوج من عائلة محلية، إلى أن اعتقلته سلطات الأمن القومي في عام 2012 تحت إدارة حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي أثناء محاولته المغادرة عبر مطار صنعاء. لم تكن هذه المهام قصيرة الأجل، بل عكست استثماراً طويل الأمد في التطوير الداخلي للحركة.
وفي الوقت نفسه، برز تورط حزب الله بطرق أخرى، بما في ذلك خارج حدود اليمن. فقد جمعت حملات تبرع في بيروت الأموال علانية لصالح الحوثيين، على الرغم من نفي الحزب انخراطه المباشر. وفي إحدى الحالات، أُعيدت تسمية محطة وقود في الضاحية الجنوبية لبيروت باسم مؤسس الحركة “حسين الحوثي”، ووُضع فيها صندوق للتبرعات. وجرى إزالة الصندوق وتغيير الاسم لاحقاً بعد تدخل السفارة اليمنية في بيروت، ولكن بعد أن أصبحت العلاقة أمراً يصعب تجاهله.
ولم تكن جميع أنشطة حزب الله تتماشى مع أولويات الحوثيين؛ ففي محافظة الجوف اليمنية، لا سيما خلال جولات القتال المتأخرة بين عامي 2007 و2010، عمل عناصر الحزب مع أطراف قبلية لإثارة اشتباكات على طول الحدود السعودية، وفي بعض الأحيان دون تنسيق مع قيادة الحوثيين. كانت العلاقة وثيقة، وإن لم تكن خاضعة بعد لسيطرة كاملة من طرف واحد.
وبحلول أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لم يعد حزب الله يقتصر على التواصل مع حركة مسلحة تقع على هامش المشهد اليمني، بل بات يصيغ الشبكات، ويوجه القرارات، ويجذر نفسه داخل الهياكل السياسية التي سيستغلها الحوثيون لاحقاً لتوطيد سلطتهم.
والجدير بالذكر أن الروابط بين اليمن ولبنان كانت قائمة قبل ظهور الحوثيين بفترة طويلة، إلا أنها كانت محدودة النطاق ولم تتعدَّ التفاعلات على مستوى الدولتين. ففي سبعينيات القرن الماضي، دعمت القيادة الاشتراكية في اليمن الجنوبي الفصائل اليسارية إبان الحرب الأهلية اللبنانية، بما في ذلك شخصيات مثل كمال جنبلاط، الزعيم الدرزي البارز ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي. وظلت هذه العلاقات ذات طابع مصلحي نفعي، ولم تتطور إلى علاقات سياسية أو اجتماعية مستدامة.
وبدأ هذا الوضع يتغير في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مع تحول مكانة حزب الله وحضوره في المنطقة. ففي أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، تنامت مكانة حزب الله في أجزاء واسعة من العالم العربي، لا سيما بين الشعوب التي أصيبت بخيبة أمل جراء التدخلات الغربية وإخفاقات حكوماتها المحلية؛ حيث لاقت مواجهته مع إسرائيل وقدرته على الصمود في وجهها صدىً واسع النطاق.
وتزامن ذلك في اليمن مع تصاعد التوترات الداخلية، حيث كانت السلطة تتركز بشكل متزايد في يد الرئيس علي عبد الله صالح، في حين تعمقت المظالم في المناطق الطرفية مثل محافظة صعدة في الشمال. وبالنسبة لبعض اليمنيين، قدم حزب الله نموذجاً مختلفاً؛ نموذجاً منضبطاً وفعالاً ومتجذراً في السلطة الدينية والتنظيم السياسي معاً.
وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تجاوز هذا الانجذاب الجانب النظري المجرد؛ فخلال حرب عام 2006 مع إسرائيل، أصبح حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، شخصية ذائعة الصيت على نطاق واسع، وانتشرت خطاباته في جميع أنحاء اليمن، وباتت تُبث في المتاجر والأماكن العامة، وارتبطت صورته بمفهوم التحدي والمقاومة. ولم يقتصر هذا الانجذاب على التوافق الأيديولوجي فحسب.
ومع تصاعد الصراع بين الحكومة اليمنية وحركة الحوثي في صعدة بعد عام 2004، كانت الحركة، التي كانت لا تزال في مراحلها الأولى، تبحث عن الهيكلية والتنظيم بقدر بحثها عن البقاء. وبالنسبة لقيادتها، لا سيما عبد الملك الحوثي، لم يكن نصر الله مجرد مصدر إلهام رمزي، بل مثل نموذجاً حياً للقائد الذي يجمع بين الشرعية الدينية، والمقاومة العسكرية، والسلطة السياسية. ومع مرور الوقت، تحول هذا الإعجاب إلى محاكاة وتقليد، مما ساهم في صياغة أسلوب قيادته والبنية التنظيمية للحركة.
وبينما سهلت إيران هذه العلاقة، جرى التعامل مع معظم تفاصيلها عبر حزب الله، الذي كانت قيادته تتحدث العربية وتتمتع بموقع أفضل للتفاعل مع الأطراف المحلية. وفي الممارسة العملية، كان يُطلب غالباً من الوسطاء اليمنيين الذين يحاولون التواصل مع الحوثيين عبر القنوات الإيرانية أن يمروا عبر حزب الله بدلاً من ذلك، في تقسيم عملي للأدوار يعكس الثقة والاستراتيجية المشتركة.
وبحلول نهاية ذلك العقد، لم يعد الحوثيون يكتفون باتخاذ حزب الله مثالاً يحتذى به، بل بدؤوا في تبني عناصر نموذجه وتطبيقها عملياً. وساهم حزب الله في تدريب المقاتلين، وهيكلة سلاسل القيادة، وصياغة الخطاب السياسي. وأثر هذا أيضاً على الطريقة التي أطر بها الحوثيون نضالهم؛ إذ لم يعودوا يصورونه كصراع محلي فحسب، بل كجزء من مواجهة إقليمية أوسع نطاقاً.
ووسعت انتفاضات عام 2011 من دور حزب الله، لينتقل من العمل عبر الحوثيين إلى الانخراط المباشر مع طيف أوسع من الأطراف اليمنية. ومع ضعف الدولة وتشرذم السلطة، تراجعت القيود التي كانت تحد من التدخل الخارجي.
وبعد عام 2011، جرى دمج مشاريع حزب الله في اليمن وتحصينها تحت قيادة خليل حرب (أبو مصطفى)، بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني. كما تحرك حزب الله لمأسسة دوره في المجال الإعلامي من خلال المساعدة في تأسيس قناة “المسيرة”، القناة التلفزيونية الرئيسية للحوثيين، والتي اتخت من الضاحية الجنوبية لبيروت مقراً لها في عام 2012؛ حيث تولى حزب الله تدريب طاقمها، وصياغة توجهها التحريري، وإدارتها بشكل مباشر في سنواتها الأولى.
وكثف حزب الله دعمه للحوثيين، لكنه بات يعمل الآن مع مجموعة أوسع من الأطراف الفاعلة في اليمن.
ونشطت حركة التنقل بين اليمن وبيروت ودمشق وطهران، وجُذب سياسيون وشخصيات قبلية وصحفيون ونشطاء إلى هذا الفلك. وكانت عمليات السفر تُدار بصرامة تامة؛ إذ غالباً ما كانت جوازات السفر تُترك دون أختام، وتُنسق الرحلات الجوية عبر قنوات غير رسمية. واشتكى بعض اليمنيين المسافرين عبر بيروت في ذلك الوقت من صعوبة حجز المقاعد بشكل متزايد، نظراً لأنها كانت تُحجز سراً لتسهيل هذه التحركات المنسقة.
ولم تكن هذه العملية غامضة تماماً؛ ففي إحدى الحالات، قام أحد المشاركين بتصوير عناصر من حزب الله والحرس الثوري الإيراني على متن رحلة عودة، ليتم احتجازه فور وصوله إلى دمشق ومصادرة تسجيلاته.
وامتدت جهود حزب الله إلى ما هو أبعد من الإعلام والحوثيين؛ ففي بيروت، استضاف الحزب مؤتمرات ضمت شخصيات يمنية من مختلف الأطياف السياسية. وكانت هذه اللقاءات شائعة خلال الفترة التي سبقت انهيار المرحلة الانتقالية في اليمن وتحولها من الحكم الاستبدادي إلى الحرب الأهلية (من 2011 إلى 2014)، إلا أن هدف حزب الله كان أكثر تحديداً. فقد جمع مؤتمر عُقد عام 2012 تحت عنوان “اليمن الذي نريد” برلمانيين وقادة أحزاب ونشطاء، ولم يكن لكثير منهم أي صلة سابقة بالحوثيين. وجرى تشجيع المشاركين على تشكيل “تنظيم الأحرار”، المصمم وفق نموذج مألوف: بيئة سياسية تعمل فيها أطرافه متعددة، بينما تحتفظ جماعة مسلحة واحدة بالنفوذ الحاسم.
ونُقل بعض المشاركين لاحقاً إلى طهران عبر دمشق، وغالباً دون وضع أختام على جوازات سفرهم، مما رسخ الطبيعة المحكومة والمسيطر عليها لهذه الشبكات وجذب هؤلاء المشاركين إلى داخل المحور.
كما وسع حزب الله نطاق نفوذه ليصل إلى جنوب اليمن؛ فمن خلال شخصيات مثل حسن باعوم، وهو قيادي بارز في الحراك الجنوبي الانفصالي كان يطالب باستعادة دولة الجنوب المستقلة، وابنه فادي، أقام الحزب صلات مع الانفصاليين اليمنيين. وقبل أن ينتقل فادي باعوم إلى معسكر الإمارات العربية المتحدة، ومؤخراً إلى المعسكر السعودي، أمضى فترات طويلة في بيروت، حيث عمل كمنسق وضابط ارتباط، يتولى تنسيق الأنشطة السياسية وتسهيل حركة الشباب الجنوبيين لتلقي التدريب والمشاركة في أنشطة سياسية مناهضة للحكومة في جنوب اليمن.
وحمل هذا التواصل في طياته جملة من التناقضات؛ فحتى عام 2015، حافظ حزب الله على علاقات مع أطراف لا تتوافق مصالحها بالكامل مع مصالحه ومصالح الحوثيين، بما في ذلك فصائل – مثل الانفصاليين الجنوبيين بقيادة عيدروس الزبيدي – واجهت الحوثيين عسكرياً لاحقاً. وفي بعض الحالات، شاركت قوات تلقت تدريباتها تحت إشراف الحزب في دحر القوات الحوثية وإخراجها من مناطق جنوبية مثل الضالع في عام 2015.
ولفترة من الوقت، أتاح هذا النهج لحزب الله نفوذاً ملموساً؛ إذ كان يعزز قوة الحوثيين بالتزامن مع تنمية شبكات سياسية وصياغة الفضاء الإعلامي والمعلوماتي. بيد أن هذا النموذج أثبت صعوبة استدامته.
ومع انهيار العملية الانتقالية في اليمن وتعمق الصراع، بدأت العلاقات بين الفصائل المختلفة في التشرذم والانقسام؛ فظل بعضها تكتيكياً، بينما انهار بعضها الآخر تماماً.
وبحلول عامي 2014 و2015، ومع تقدم الحوثيين نحو صنعاء وتوطيد سيطرتهم في الشمال، تضيق نهج حزب الله الأوسع؛ فما بدأ كمحاولة لبناء شبكة من الأطراف المتحالفة المتنوعة، عاد لينحصر في نهاية المطاف حول شريك واحد فريد.
وشكل سيطرة الحوثيين على صنعاء في عامي 2014 و2015 ذروة مسار حزب الله في اليمن.
وبحلول ذلك الوقت، كانت سنوات من التدريب والانخراط السياسي والدعم المؤسسي قد ساهمت في بروز حركة قادرة على الاستيلاء على العاصمة والاحتفاظ بها. وبالنسبة لحزب الله، بدا هذا بمثابة تأكيد على صحة نهجه وجدواه، فتحول دوره من مرحلة البناء والتأسيس إلى مرحلة الدعم والاستدامة.
واستمر هذا الانخراط عبر المجالات العسكرية والسياسية والإعلامية؛ وعكس استخدام الحوثيين المتزايد للصواريخ والطائرات المسيرة قدرات جرى تطويرها على مدى سنوات من الدعم الخارجي.
ومع تصاعد وتيرة الحرب بعد عام 2015، أصبحت هذه العلاقة أكثر وضوحاً للعيان؛ إذ أثارت عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه الأراضي السعودية تدقيقاً ومراقبة متزايدة، وبات من الصعب إخفاء دور حزب الله. ورتب هذا الوضوح كلفة باهظة.
ففي عام 2017، وفي أعقاب إطلاق صاروخ نُسب إلى الحوثيين، احتجزت المملكة العربية السعودية رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وصعّدت الضغوط السياسية والاقتصادية على لبنان.
وامتدت التداعيات إلى ما هو أبعد من الأزمة الفورية، لتسهم في اتخاذ إجراءات خليجية أوسع نطاقاً ضد لبنان، شملت قيوداً تجارية وضغوطاً مالية، فُهمت على نطاق واسع بأنها تستهدف حزب الله. وهكذا، أصبح اليمن بمثابة ورقة رابحة وعبء ثقيل في آن واحد.
وفي الوقت نفسه، كان الحوثيون يوطدون أوضاعهم داخلياً؛ فبرغم الانتكاسات التي واجهوها في الجنوب، احتفظوا بالسيطرة على شمال اليمن والمراكز السكانية الرئيسية. ومع مرور الوقت، عززوا هياكلهم الإدارية وطوروا قدرات عسكرية أكثر تقدماً.
وبحلول أوائل العقد الحالي (العشرينيات)، أصبحوا الطرف المحلي الأكثر نفوذاً وقوة في اليمن. وقلل هذا التوطيد للسلطة من اعتمادهم على الدعم الخارجي وغير من شروط العلاقة وطبيعتها؛ إذ ظل حزب الله مهماً، لكنه لم يعد الطرف الذي يحدد مسار الحوثيين.
وبحلول عام 2023، أضحى هذا التحول جلياً؛ حيث تجاوز الحوثيون حدود النزاع اليمني المستقل، مستهدفين السفن التجارية في البحر الأحمر ومطلقين طائرات مسيرة وصواريخ نحو الأراضي الإسرائيلية. واعتمدت هذه العمليات على القدرات المكتسبة على مدى العقد الماضي، بيد أنها عكست الحسابات الاستراتيجية الخاصة بالحوثيين وحدهم.
بالتزامن مع ذلك، كان موقف حزب الله في طور التغير؛ إذ أدت العمليات الإسرائيلية المستمرة إلى تقويض قيادته وقدراته العملياتية، وشكل مقتل حسن نصر الله في عام 2024 نقطة تحول وانقطاع مفصلية. كما كشفت عمليات إضافية عن ثغرات داخل الأنظمة الداخلية لحزب الله، بما في ذلك الخروقات الاستخباراتية التي سمحت باستهداف دقيق لكبار القادة عبر جبهات متعددة.
وحدت هذه الضغوط من قدرة حزب الله على العمل في الخارج بنفس الوتيرة والنطاق؛ فبات وجوده في اليمن أكثر محدودية، مع استدعاء عناصره وتقليص حجم انكشافه هناك.
كما تبدلت البيئة الإقليمية المحيطة؛ حيث أدى انهيار نظام بشار الأسد في سوريا إلى إزالة ركيزة أساسية وشريان مركزي لشبكة حزب الله.
وفي هذا السياق، تولى الحوثيون دوراً أكثر بروزاً؛ إذ حافظوا على سيطرتهم على الأرض، ووسعوا نطاق نفوذهم، وواصلوا تطوير قدراتهم العسكرية، وباتوا الآن بحاجة أقل بكثير إلى حزب الله مقارنة بالماضي. لقد أصبحوا – ولا يزالون – معضلة قائمة بوجود حزب الله أو غيابه؛ فقد ساعد حزب الله في بناء شريك بات يتحرك اليوم بزخمه ودوافعه الخاصة.
إن العلاقة بين حزب الله والحوثيين ليست مجرد حالة نمطية من دعم الوكلاء، بل تعكس عملية بناء مستدامة – عسكرياً وسياسياً ومؤسسياً – أنتجت في المحصلة طرفاً فاعلاً يمتلك توجهه الاستراتيجي الخاص.
ومع مرور الوقت، غيرت تلك العملية طبيعة العلاقة ذاتها؛ فما بدأ كإرشاد وتوجيه هيأ الظروف لتحقيق الاستقلالية والتفرد. وصحيح أن الحوثيين ما زالوا متحالفين ضمن إطار إقليمي أوسع، إلا أن حلفاءهم لم يعودوا هم من يحدد ملامح حركتهم ومسارها.

وبينما يبدو الحوثيون اليوم أقوى بكثير إقليمياً ومحلياً بفضل حزب الله (ومن ورائه إيران بطبيعة الحال)، فإنهم يمثلون أطرافاً فاعلة محلياً ودولياً، بصرف النظر عما يحدث لحلفائهم. وكانت هجماتهم في البحر الأحمر عام 2023 خير مثال على ذلك؛ إذ إن إيران، التي كانت أكثر حذراً وتخوفاً من التصعيد، نصحتهم وطلبت منهم عدم شن هجمات على الشحنات الدولية والملاحة البحرية. ورغم ذلك، وبالاستفادة من القدرات التي اكتسبوها من إيران وحزب الله، تصرف الحوثيون وفقاً لأولوياتهم الخاصة.
وتمتد هذه التداعيات إلى ما هو أبعد من اليمن والحوثيين؛ فعندما تستثمر الأطراف الفاعلة من غير الدول في بناء حركات أخرى، فإنها لا تضمن بذلك بسط نفوذها إلى الأبد، بل تساهم في خلق قوى تعمل وفق جداولها الزمنية الخاصة وبناءً على حساباتها الذاتية.
ولا يشكل الحوثيون استثناءً من هذه القاعدة؛ فهم يمثلون نموذجاً مبكراً لكيفية تطور هذه العلاقات، وكيف أن السيطرة، بمجرد أن تتوزع وتتشتت، يصبح من الصعب الحفاظ عليها وإعادتها إلى بيت الطاعة.



