قناة تلفزيونية حوثية “تبث من الظل” غربي لندن

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
كشفت معلومات أن المحطة التلفزيونية التابعة للمتمردين الحوثيين في اليمن مسجلة كشركة في لندن منذ أكثر من 10 سنوات.
وتستخدم قناة “المسيرة” شركة واجهة بعنوان بريدي يعود إلى “مقهى” للحفاظ على موطئ قدم لها في العاصمة البريطانية، فيما أُدرج أحد مديري الشركة كمدير عام للقناة اليمنية. ويقع العنوان المدرج لقناة “المسيرة” في مقهى بجوار زقاق كئيب في غرب لندن، يُستخدم للتخلص غير القانوني من النفايات.
وأثار وجود القناة، إلى جانب شركات أخرى، مخاوف بشأن تمويلات غير مشروعة وتأشيرات دخول، فضلاً عن جمع معلومات استخباراتية عن الخصوم السياسيين. وصرح خبير استخباراتي لصحيفة “ذا ناشيونال” أن هذا الترتيب يساعد ممثلي الحوثيين في السفر إلى المملكة المتحدة، مما يوفر غطاءً مقنعاً لإجراء عمليات مراقبة محتملة.
وقال جوناثان هاكيت، وهو ضابط استخبارات سابق في مشاة البحرية الأمريكية، إن هذا الأمر من شأنه تسهيل دخول الحوثيين الذين يحتاجون إلى تأشيرات للسفر إلى المملكة المتحدة، مضيفاً: “استخدام هذا المرفق كغطاء يجعل الحصول على التأشيرة أسهل بكثير خلال مقابلات الهجرة، لأنك تمتلك تفسيراً مقنعاً وسبباً علنياً للتواجد في البلاد”.
وتابع هاكيت، الذي شغل أيضاً مناصب في وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية ووكالة الأمن القومي: “من المرجح أنهم يتوجهون إلى المملكة المتحدة لسببين؛ الأول هو التواصل مع جهات اتصال قائمة يصعب الوصول إليها، والثاني هو كسب جهات اتصال جديدة. ولا أعني هنا اتصالات إعلامية، بل اتصالات استخباراتية لصالح الحركة [الحوثية] وحزب الله وإيران”.

ويقع عنوان قناة “المسيرة” في غرب لندن لدى “هيئة تسجيل الشركات” (Companies House)، حيث سُجلت حالياً تحت اسم “شركة قناة المسيرة التلفزيونية المحدودة” (Almassira TV Channel Ltd)، ضمن مجموعة متاجر في منطقة “هانغر لين”. ويشغل المكان حالياً مقهى، بينما يؤدي زقاق جانبي مهمل إلى ساحة خلفية تُستخدم كمكب للنفايات. وعندما زارت “ذا ناشيونال” الموقع، قال المالك إنه يتلقى بانتظام رسائل لشركات مسجلة هناك دون أن يكون لها وجود فعلي، مؤكداً أنه لا يعرف شيئاً عن القناة.
وتعد قناة “المسيرة” لسان حال الحوثيين الذين يسيطرون على أجزاء واسعة من شمال اليمن منذ عام 2015. وترتبط الجماعة بإيران وتُشكل ما تصفه طهران بـ “محور المقاومة” إلى جانب حزب الله وحماس. وكانت الإدارة الأمريكية قد صنفت الجماعة اليمنية كمنظمة إرهابية عالمية في عام 2021 إبان عهد دونالد ترامب، وهو القرار الذي ألغاه جو بايدن قبل أن يعاد تصنيفها العام الماضي تحت إدارة ترامب مرة أخرى.
ويتضمن محتوى القناة مقاطع فيديو لغرق سفن في البحر الأحمر وإطلاق صواريخ، كما تنقل وجهات نظر الحكومة الإيرانية، بما في ذلك الادعاء بأن الاحتجاجات الأخيرة في إيران كانت مؤامرة إسرائيلية، فضلاً عن بث تقارير تتبنى رؤى حزب الله.
من جهة أخرى، تشارك البحرية الملكية البريطانية في عملية “حارس الازدهار” التي تهدف إلى ضمان أمن الشحن الدولي وسط هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، حيث تعرضت السفن الحربية البريطانية لهجمات متواصلة بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وسُجلت المحطة الحوثية كشركة في المملكة المتحدة بصيغتها الحالية في سبتمبر 2014، لكن أصولها لم تتجاوز قط 200 جنيه إسترليني (270 دولاراً). ويُذكر أن المديرين الحاليين للشركة هما عمار الحمزي، المدير العام للقناة، ويوسف المؤيد، وكلاهما يحمل الجنسية اليمنية، غير أن المؤيد يقيم في لبنان. كما أُدرج إبراهيم الديلمي، سفير الحوثيين لدى إيران وعضو المجلس السياسي للمتمردين، كمدير سابق للشركة.
وأشار هاكيت إلى أن طهران دربت الحوثيين على استخدام تقنياتها للوصول إلى الدول الغربية، حيث تمكن الحرس الثوري الإيراني من استخدام غطاء الجماعات الثقافية والإعلامية للسفر، وهو ما يعتقد هاكيت أن الحوثيين يسيرون على نهجه. وكانت ألمانيا قد أغلقت مسجداً في عام 2024 حذر رؤساء الاستخبارات لسنوات من أنه واجهة لطهران، كما يستخدم حزب الله موطئ قدم سرياً يمتد عبر شمال ألمانيا لنشر نفوذه.
وأضاف هاكيت أن الممارسة الشائعة التي تتبعها العديد من الدول هي البحث عن أفراد من الجاليات في الخارج، مثل العاملين في السفارات، كمصادر للاستخبارات، قائلاً: “هذا أمر تفعله إيران كثيراً، والحوثيون لا يختلفون عنهم، فقد تدربوا على أيديهم”. ورأى هاكيت أن طول فترة تسجيل الشركة في المملكة المتحدة يشير إلى رغبة الحوثيين في إعطاء انطباع بأن لها غرضاً مشروعاً، موضحاً: “لإنجاح أي عملية، سيستخدمون شيئاً كهذا ليكون لهم حضور يخولهم القول: نحن هنا منذ 10 سنوات”.
ومن جانبها، قالت إيلا روزنبرغ، من مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، إن “المسيرة” تمثل رصيداً للقناة الأم، مشيرة إلى أنه على الرغم من صرامة اللوائح البريطانية، فمن غير المرجح أن تثير شركة إعلامية شكوك السلطات. وأضافت: “إذا أراد الحوثيون قاعدة في المملكة المتحدة لتحويل الأموال إلى اليمن مثلاً، فسيكون الأمر أسهل بكثير عبر شركة غير مرتبطة بهم مباشرة، كشركة إعلامية”.

ولا تقتصر بصمة القناة في المملكة المتحدة على هذا الكيان فحسب، إذ سُجلت شركة تلفزيونية سابقة بالاسم نفسه في لندن عام 2012، وهو العام الذي تأسست فيه القناة في بيروت، وهي مدرجة في “هيئة تسجيل الشركات” باسم (Almassira TV Channel Ltd). وكان المدير الوحيد لتلك الشركة هو علي كريم، وهو مواطن لبناني، وأظهر بيانها المالي الوحيد أصولاً بقيمة 500 ألف جنيه إسترليني قبل تصفيتها بعد عامين، أي قبل أيام فقط من تسجيل الشركة الحالية. وقد استخدمت الشركة الأولى عنواناً في منطقة “ماي فير” يعود لقناة أخرى هي “الاتحاد”، والتي كان مديرها نايف كريم، رئيس مجلس الإدارة السابق لقناة “المنار” التابعة لحزب الله. وشهدت قناة “الاتحاد”، التي كانت مسجلة في بريطانيا من عام 2010 حتى نهاية 2013، مساراً مشابهاً لـ “المسيرة”، حيث أظهر بيانها المالي الوحيد أن قيمتها بلغت مليوني جنيه إسترليني قبل حلها.
وقالت بريدجيت تومي، المحللة في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” المتخصصة في شؤون الحوثيين ووكلاء إيران الآخرين، إن “المسيرة” كان لها حضور خارجي منذ تأسيسها، مضيفة: “تقديري هو أنهم يفتتحون مثل هذه الكيانات في المملكة المتحدة كغطاء لفرص أخرى قد يرغبون في السعي وراءها، فالتوسع الإعلامي في الخارج يسمح لهم أيضاً بفتح حسابات مصرفية في بريطانيا”.
وتابعت تومي: “في الظاهر، المؤسسة الإعلامية هي كيان مشروع، وللأسف لم يصنف الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة الحوثيين كإرهابيين بعد، مما يمنحهم مساحة للتحرك”. وأشارت إلى أن العلاقة الوثيقة مع “المنار” قد تمتد إلى فرع “المسيرة” المسجل في بريطانيا، قائلة: “بالنظر إلى دعم المنار للمسيرة [في بيروت] والتعاون هناك، فمن المرجح تماماً مشاركتهم في افتتاح مكتب آخر للمسيرة”.
ووصفت تومي بث قناة المسيرة بأنه يحتوي على “مواد يمكن تصنيفها أو صُنفت بالفعل كخطاب كراهية”، مختتمة بالقول: “أعتقد أن على الدول الأوروبية التحرك لتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، وهو ما سيستوجب بشكل استباقي منع أعمالهم وأذرعهم الإعلامية وأي أنشطة أخرى من العمل في أوروبا”.
المصدر: صحيفة ذا ناشيونال (الصفحة الرابعة) عدد 21 يناير/كانون الثاني 2026




