آراء ومواقف

القبيلة والجغرافيا: لماذا يستحيل فصل حضرموت عن شبوة؟

سليمان العقيلي

العلاقة بين حضرموت وشبوة ليست علاقة جوار إداري نشأ مع التقسيمات الحديثة، بل هي امتداد لعمق تاريخي واجتماعي واحد جرى تفكيكه سياسياً من فوق، دون أن يتفكك فعلياً في وعي المجتمع أو في بنيته القبلية.

أي محاولة للتعامل مع المحافظتين بوصفهما كيانين منفصلين جذرياً تتجاهل قروناً من التداخل التاريخي والقبلي، وتُسقط على الواقع تصورات سياسية طارئة لا جذور لها في الاجتماع المحلي. فشبوة نفسها كانت في مرحلة تاريخية عاصمة لمملكة حضرموت القديمة، ما يعني أن الفصل بينهما ليس أصيلاً في بنية المنطقة، بل استثناء متأخر عن منطق الجغرافيا والتاريخ.

على امتداد العصور الإسلامية، ظل النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي يتحرك في هذا الفضاء المفتوح من غير اعتبار لحدود ثابتة، عبر السلطنات، وشبكات التجارة والهجرة والرعي التي ربطت الوادي بالسهل وبالمناطق الغربية الممتدة نحو شبوة الحالية. هذا الامتداد التاريخي ترسخ اجتماعياً في صورة مجتمع واحد متعدد الأطراف، صاغته المصاهرة والهجرة الداخلية والاستقرار المشترك وقبله الرعي المتبادل، فنتج عنه نسيج بشري متداخل يصعب تفكيكه بخطوط إدارية أو شعارات جغرافية. لذلك ما زالت أسر عديدة حتى اليوم تتحرك بين حضرموت وشبوة باعتبارهما مجال حياة واحداً، لأن المجتمع سبق الدولة في التشكل واستمر بعدها.

القبيلة تمثل العامل الأكثر حسماً في فهم هذه العلاقة، إذ إن قبائل كبرى مثل كندة وآل كثير والعوامر وبلعبيد وناهس والحموم والمنهالي تنتشر في المحافظتين ضمن مجال قبلي متداخل لا يعترف تاريخياً بالفصل الإداري كحد هوياتي. أعراف التحكيم والصلح والجوار والنكف واحدة، ومنظومة القيم متقاربة، ما يجعل القبيلة بنية استمرارية تتقدم على الدولة في لحظات الفراغ والانهيار كما هو الحال في اليمن اليوم. لذلك يصبح أي مشروع سياسي يحاول القفز فوق هذا الامتداد القبلي مشروعاً هشاً، مرشحاً للانفجار عند أول احتكاك جدي مع الواقع الاجتماعي.

الفصل المعاصر بين حضرموت وشبوة لم ينتج عن تطور اجتماعي طبيعي، بل عن قرارات سياسية وإدارية؛ أولاً ضمن سياسات الضبط الاستعماري البريطاني، ثم في إطار الدولة اليمنية الحديثة التي أعادت إنتاجه لأغراض إدارة النفوذ والسيطرة لا لتكريس هويات مستقلة. هذا الفصل ظل إلى حد كبير صناعة فوقية محصورة في أجهزة الدولة، ولم يتحول إلى قناعة راسخة في المجتمع الذي حافظ على وحدة الفضاء في الممارسة اليومية. وفي السياق الراهن، جرى تسييس العلاقة بين المحافظتين بحدة، عبر محاولات لإعادة هندسة الهويات المحلية بما يخدم مشاريع نفوذ آنية، غير أنها تصطدم دائماً بحقيقة غياب القطيعة الشعبية والقبلية، وأن ما يجري هو صراع سرديات سياسية أكثر منه انقساماً اجتماعياً حقيقياً.

تجاهل وحدة المجال الاجتماعي والقبلي بين حضرموت وشبوة لا يعني فقط تشويهاً لقراءة التاريخ، بل يفتح الباب لاختلالات سياسية وأمنية عميقة، لأن استقرار شبوة لا يمكن فصله عن علاقتها الطبيعية بحضرموت، وأي فصل قسري أو صناعة هوية مصطنعة لن ينتج سوى توترات قابلة للاستثمار الخارجي. في هذا الإطار تبرز المواقف المعلنة عن تعاون المحافظة مع التحالف العربي لتأمين شبوة وتعزيز استقرارها وتجنيبها الفتن، بوصفها جزءاً من بحث أوسع عن مظلة إقليمية تدعم استقرار مجال اجتماعي واحد، لا مجرد محافظة معزولة عن محيطها. في المحصلة، حضرموت وشبوة ليستا مجرد وحدتين إداريتين متجاورتين. بل بعداً تاريخياً واجتماعياً وقبلياً واحداً جرى تفكيكه سياسياً دون أن يُعاد تشكيله هوياتياً، وأي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحقيقة يؤسس لصراع مؤجل يعود كلما استعاد المجتمع ذاكرته ومجاله الطبيعي.

 

*العقيلي: كاتب ومحلل سياسي سعودي

*نشرت في صفحته على فيسبوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى