ساعة الصفر شرقي اليمن تقترب.. الطيران يحذّر والسعودية تتحرك والانتقالي يتحدى

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
تشهد المناطق الشرقية لليمن، وتحديداً محافظتي حضرموت والمهرة، حالة غير مسبوقة من التوتر العسكري والسياسي، وسط تحذيرات من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مسلحة كبرى. وتفيد المصادر الميدانية بحشود عسكرية سعودية كبيرة على طول الحدود، بالتزامن مع تعزيزات لقوات “درع الوطن” والشرعية اليمنية، في رسالة حازمة تهدف إلى إنهاء التحركات الأحادية للمجلس الانتقالي الجنوبي في تلك المناطق.
وشهدت الساعات الماضية تحليقاً مكثفاً للطيران السعودي فوق مناطق وادي وصحراء حضرموت وساحلها، فيما وُصف بأنه “عرض للقوة” ورسالة ردع واضحة. ويرى مراقبون أن هذه التحركات تأتي مع انتهاء مهلة الـ 72 ساعة التي منحتها الرياض للمجلس الانتقالي للانسحاب من المواقع والمعسكرات التي سيطر عليها مؤخراً.
حضرموت والمهرة.. “الخط الأحمر” والتحشيد العسكري
تعتبر المملكة العربية السعودية استقرار حضرموت والمهرة “خطاً أحمر” لا يمكن تجاوزه، نظراً للحالة الحدودية المرتبطة بأمنها القومي. ووفقاً لمنصة “ديفانس لاين” فإن التحشيدات الجارية تضم ما بين 15 إلى 20 ألف جندي، موزعين على 12 لواء من قوات “درع الوطن” المدعومة سعودياً، إضافة إلى ألوية الطوارئ وكتائب قتالية، مسنودة بغطاء جوي مكثف.
وقال الخبير العسكري الأردني اللواء محمد الصمادي، إن التحشيد يهدف لإرسال رسالة ردع مفادها أن المملكة لن تسمح بفرض أمر واقع بالقوة المسلحة شرق اليمن. مؤكداً أن “هذا الثقل العسكري قادر على حسم المعركة في ساعاتها الأولى إذا ما اندلعت”
من جانبه، أشار الكاتب السياسي وضاح اليمن خالد الحريري إلى أن الأزمة تتجه نحو “حالة عسكرية” واضحة، مستشهداً بتحليق الطيران واستخدام القنابل الضوئية مع رفض المجلس الانتقالي الانسحاب من حضرموت والمهرة.
ودعا المجلس الانتقالي يوم الاثنين إلى التعبئة العامة، رافضاً أي حديث حول اخراج القوات القادمة من خارج حضرموت والمهرة أو إيقاف عملياته في هضبة حضرموت. وتحدثت مصادر لـ”يمن مونيتور” عن وصول تعزيزات عسكرية جديدة إلى وادي وهضبة حضرموت.
- خطيئة “حرق المراحل” و”بهلوانيات القوة”.. خبراء سعوديون يقرؤون “العناد السياسي” للمجلس الانتقالي
- انقلاب الأختام.. كيف حوّل المجلس الانتقالي وزارات عدن إلى “إقطاعيات سياسية” للانفصال؟!
الموقف السياسي: بين “عدالة القضية” و”تهور السلاح”
وكان وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان أكد أن المملكة تتعامل مع القضية الجنوبية كـ “قضية سياسية عادلة”، لكنه شدد على أن حلها يجب أن يتم عبر التوافق والحوار لا بفرض الأمر الواقع بالقوة،. وصرح الأمير قائلاً: “لقد حان الوقت للمجلس الانتقالي الجنوبي للاستجابة لجهود الوساطة السعودية الإماراتية لإنهاء التصعيد، وخروج قواتهم من المعسكرات وتسليمها لقوات درع الوطن والسلطة المحلية”.
واعتبر علي الصراري، المستشار السياسي لرئيس الوزراء اليمني، أن تصريحات وزير الدفاع السعودي جاءت في “وقت غاية في الأهمية”، وهي تؤكد موقف المملكة الثابت منذ بداية الأزمة بضرورة خروج قوات الانتقالي من حضرموت والمهرة.
ووصف الصراري تحركات الانتقالي بأنها “تهور ومقامرة” تمت دون تشاور مع التحالف العربي أو مجلس القيادة الرئاسي.
كما أشار إلى أن الخطأ القاتل الذي أدى للأزمة الحالية هو “عدم تنفيذ الشق العسكري والأمني من اتفاق الرياض”، الذي ينص على دمج كافة التشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية.
وأوضح الصرار أن هناك ممانعة ورفضاً مستمراً من جانب الانتقالي لإخضاع قواته لسيطرة الدولة، بل وصل الأمر إلى الاعتراض على أي تواجد قيادي أو إداري لا ينتمي للمجلس في القوات المشتركة. هذا الانقسام حال دون توحيد الجبهة الداخلية للشرعية وجعلها عرضة للتصدعات.

شراء الوقت واختراقات إقليمية
ويصف الأكاديمي السعودي إبراهيم النحاس، (أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود) أن تحركات المجلس الانتقالي الأخيرة بأنها “سلوك غير أخلاقي” و”خيانة للأمانة”، خاصة وأن المجلس ممثل في مجلس القيادة الرئاسي الذي يعمل تحت مظلته.
ويرى أن هذه التحركات تكشف عن “نوايا خفية” كانت تهدف إلى شراء الوقت من أجل التجنيد والتدريب قبل الانقلاب على الشرعية التي يفترض أنهم جزء منها. ويؤكد أن ما حدث يمثل خرقاً للمواثيق الدولية والأعراف الوطنية التي تفرض توحيد الصف لمواجهة العدو المشترك.
ويحذر النحاس من وجود اختراقات إقليمية ودولية قد تكون هي المحرك لهذه التطورات، بهدف زعزعة أمن واستقرار اليمن والمنطقة العربية بشكل عام.
ويشير إلى أن حجم التدريب والسياسات التصعيدية للمجلس الانتقالي، حتى ضد الدول الداعمة للشرعية مثل السعودية والإمارات، يثير تساؤلات جدية حول الجهات التي تقف وراء هذه الأجندات.
كما يربط بين ما يحدث في اليمن ومحاولات تمزيق دول عربية أخرى مثل الصومال، مؤكداً أن الهدف النهائي هو إرهاق الدول القائدة في المنطقة مثل السعودية ومصر.
- ثلاث رسائل تعيد ضبط الأوضاع في شرقي اليمن
- واقع وتهديدات سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على شرقي اليمن
- قائد جبهة “ذنه” لـ”يمن مونيتور”: اعتمدنا تكتيكات “حرب سيبرانية” وجنودنا في “البلق” يتأهبون لمعركة الفجر
سيناريوهات المواجهة وخيارات الانتقالي
يواجه المجلس الانتقالي الجنوبي ضغوطاً متزايدة، حيث تضيق الخيارات بين القبول بدور الشريك السياسي أو مواجهة تبعات “التهور”. وبينما خرجت مظاهرات في سيئون تدعو لبقاء القوات الجنوبية وتطالب بإعلان “دولة الجنوب”، تشير المصادر إلى وصول إمدادات عسكرية للمجلس من دولة الإمارات عبر ميناء المكلا مما يزيد من تعقيد المشهد.
وفيما يتعلق بتحركات المجلس الانتقالي، يوضح الصمادي أن المجلس يحاول “جس النبض” ومعرفة حدود رد الفعل السعودي، محاولاً موازنة الأمور بين الحفاظ على مكاسبه وإرضاء أنصاره وبين تجنب مواجهة مباشرة مع السعودية.
ويشير الباحث السياسي وضاح الجليل إلى أن “المجلس الانتقالي يشعر بأنه في ورطة كبيرة؛ فالانسحاب ليس سهلاً أمام أنصاره بعد أن أقنعهم بقدرته على التصعيد”.
وأشار الجليل إلى أن المجلس يحاول حالياً استخدام لغة سياسية “ليّنة” في بياناته لامتصاص الغضب السعودي والدولي، لكنه على أرض الواقع لم يتخذ أي خطوات فعلية لخفض التصعيد أو الانسحاب من المواقع التي سيطر عليها في المهرة وحضرموت.
ويوضح الجليل أن هناك رسائل تطمين قُدمت للانتقالي، منها تأكيد رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي والمملكة العربية السعودية على أن القضية الجنوبية قضية عادلة وذات أولوية قصوى.
كما يشير إلى أن الحكومة لم تهدد نفوذ الانتقالي في معاقله الرئيسية مثل عدن ولحج والضالع، بل إن قوات “درع الوطن” انسحبت من بعض تلك المناطق كبادرة حسن نية لتجنب الصدام.
رؤية سعودية للحلول
وفيما يخص الحلول المتاحة، يرى الأكاديمي السعودي “النحاس” أن استرداد الشرعية في حضرموت والمهرة هو واجب وطني يجب إنجازه سريعاً، لأن المماطلة تعني مزيداً من عدم الاستقرار وفتح الباب أمام الجماعات الإرهابية وعمليات التهريب.
ويؤكد أن القوات المسلحة (السعودية) قد تضطر لاستخدام القوة لفرض الشرعية تنفيذاً للقرار الدولي 2216 إذا فشلت الحلول الدبلوماسية. وينبه إلى أن هذه الصراعات البينية لا تخدم إلا الحوثيين، حيث تمنحهم فرصة لتعزيز مكانتهم وزيادة معاناة الشعب اليمني.
بين أزيز الطائرات في سماء حضرموت وقرع طبول الحرب على الأرض، يبدو أن شرق اليمن قد دخل نفق “عض الأصابع”؛ حيث يقف الجميع فوق أرض هشة لا تحتمل المزيد من الاهتزازات. وبينما تضع الرياض ثقلها العسكري لترسيم حدود أمنها القومي، يجد الانتقالي نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانحناء لعاصفة التوافق، أو المضي في مقامرة تكتب نهايته.




