حين تصبح كلفة التأخير أعلى من كلفة الحسم: حضرموت والمهرة على حافة سيناريو خطير
د. تركي القبلان

لا يزال احتواء اعتداء ميليشيا المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة أمرًا ممكنًا، بل ومقدورًا عليه سياسيًا وأمنيًا، لكن نافذة هذا “الممكن” تضيق سريعًا فكل تأخير في حسم الموقف لا يعني تجنب الكلفة، بل مضاعفتها وتحويلها من كلفة إدارة أزمة محدودة إلى فاتورة استراتيجية ثقيلة ستكون المملكة العربية السعودية هي الطرف الأكثر تحمّلًا لأعبائها بحكم موقعها ودورها ومسؤولياتها الإقليمية.
التجارب الإقليمية القريبة تُظهر بوضوح أن المليشيات لا تتوقف بإرادتها، بل تتوسع كلما طال أمد التردد في مواجهتها. ما جرى في السودان مثال صارخ: حين أُجِّل الحسم مع قوات الدعم السريع في البداية بحجة تفادي الصدام، تحولت المليشيا إلى دولة موازية، ثم إلى قوة مدمّرة أحرقت العاصمة وكسرت بنية الدولة، وفرضت على الجوار ومعادلة الأمن العربي الجماعي كلفة أمنية وإنسانية هائلة. التأخير هناك لم يشترِ الاستقرار، بل راكم شروط الانفجار.
السيناريو الذي يلوح في حضرموت والمهرة وفق “منهجية القراءة الاستراتيجية”، لا يقل خطورة إذا تُرك دون ضبط مبكر فهذه المناطق ليست هامشًا جغرافيًا هي عقدة توازن إقليمي، وأي انزلاق فيها سيحوّل الجنوب من ملف قابل للإدارة إلى جبهة استنزاف مفتوحة، ويمنح القوى المعادية فرصة التسلل عبر الفراغ سواء عبر الفوضى أو عبر تغذية الانقسام الداخلي.
الأخطر أن استمرار الاعتداءات دون ردع حاسم سيُنتج سابقة خطيرة: ترسيخ منطق أن السلاح يفرض الوقائع وأن من يبتز الاستقرار يكافأ بالصبر عليه. هذا المنطق إن استقر لا يهدد حضرموت والمهرة فقط، بل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمليشيا في كامل الجغرافيا اليمنية، ويقوّض أي مسار سياسي لاحق مهما بلغت جودة تصميمه.
بالنسبة: “للمملكة العربية السعودية”، فإن كلفة التأخير ليست أمنية فحسب، بل استراتيجية. فكل يوم يمر دون حسم يزيد من احتمالات انتقال الأزمة من مستوى “الاحتواء المحلي” إلى مستوى “التدويل القسري”، ويضع الرياض لاحقًا أمام خيارات أصعب، وتدخلات أكثر كلفة، ومعالجة نتائج بدل منع أسباب. الفارق بين الحسم المبكر والتدخل المتأخر هو الفارق بين إدارة المخاطر ومنعها.
الوقت هنا ليس عنصرًا محايدًا، بل عاملًا منحازًا للفوضى. وكل قراءة هادئة للسوابق الإقليمية تقول إن المليشيا حين تُترك لتختبر حدود الصبر، لا تتراجع، بل تتقدم خطوة إضافية وتبني عليها سرديتها وقوتها ونفوذها. لذلك “فإن التردد” مهما بدا عقلانيًا في لحظته يتحول سريعًا إلى خطأ استراتيجي حين تتغير المعادلات على الأرض.
من هنا، فإن البدار ليس دعوة للتصعيد لكنه دعوة لمنع الانفجار. الحسم المطلوب ليس عسكرة إضافية، بل تثبيت واضح لحدود الفعل المسموح وإعادة الاعتبار للدولة اليمنية التي اتينا لحمايتها بموجب القانون الدولي المتمثل في القرار 2216، وحماية حضرموت والمهرة بوصفهما ركيزتين للاستقرار لا ساحتي اختبار. فإما أن يُغلق هذا المسار الآن وهو لا يزال قابلاً للإغلاق أو يُترك ليتحول إلى أزمة أكبر يدفع الجميع ثمنها وفي مقدمتهم من سعى أصلًا لحماية الاستقرار.
*نشر على صفحته في منصة (اكس)
*أكاديمي سعودي ورئيس مركز ديمومة للدراسات والبحوث




