ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
أحكمت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن، في خطوة أثارت استياء كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان. وتدعم المملكة العربية السعودية الحكومة المعترف بها دولياً، التي كانت قد فقدت بالفعل سيطرتها على العاصمة اليمنية صنعاء ومعظم أراضيها لصالح الإدارة المنافسة التي شكلتها جماعة “أنصار الله”. والآن، تواجه الحكومة المعترف بها مزيداً من التخبط والانهيار.
أما الإمارات العربية المتحدة، التي انضمت إلى التحالف العسكري بقيادة السعودية لقتال أنصار الله، فقد قدمت دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي. وفي المقابل، سحبت السعودية كافة قواتها العسكرية إلى المنطقة الحدودية، في حين لا تظهر الجهود الدبلوماسية لحل هذا التحدي الكبير لسلطة الحكومة المعترف بها سوى بوادر ضئيلة للنجاح حتى الآن.
وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت حضرموت بؤرة للصراع بين المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي والعناصر المؤيدة للوحدة داخل الحكومة المعترف بها، حيث كان الأول يتمتع بنفوذ أقوى على الساحل، بينما اتخذت الأخيرة من المناطق الداخلية قاعدة أساسية لها. وقد أدى سيطرة المجلس الانتقالي على كامل حضرموت والمهرة تقريباً إلى خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في الجزء الوحيد من اليمن الذي ظل مستقراً منذ بداية النزاع في عام 2015.
ولفهم أهمية هذا الحدث وتداعياته المحتملة، يتعين علينا النظر في التاريخ المحدد للمنطقة والسياق الدولي الأوسع، ولا سيما التنافس المتفاقم بين الإمارات والسعودية.
**حضرموت**
غالبًا ما تصف التقارير حضرموت بأنها كبرى محافظات اليمن من حيث المساحة الجغرافية، رغم ندرة الإشارة إلى عدد سكانها الضئيل الذي يبلغ حوالي 2.5 مليون نسمة من إجمالي سكان اليمن البالغ عددهم نحو 35 مليوناً. وبفضل إنتاج النفط وإمكانات التصدير، أصبحت المحافظة ذات أهمية قصوى للموازنة الوطنية اليمنية في العقود الأخيرة.
ويعود القلق السعودي الدائم بشأن هذه المنطقة إلى وجود حدود مشتركة طويلة وعلاقة تاريخية مع بعض أغنى العائلات التجارية السعودية، التي أسسها مهاجرون حضارمة قبل قرن من الزمان. ونتيجة لذلك، استفادت حضرموت من استثمارات سعودية كبيرة في البنية التحتية والسياحة والصناعة، بما في ذلك الثروة السمكية، فضلاً عن تسهيل وصول العمالة المهاجرة إلى المملكة.
تتمتع المنطقة بإمكانات هائلة للسياحة الثقافية بفضل تضاريسها وهندستها المعمارية المبنية من اللبن. وفي العهد الاستعماري، كانت المدن الثلاث الرئيسية في الداخل -شبام وسيئون وتريم- تُعرف على التوالي باسم نيويورك وباريس وروما الشرق. كما تُشبه تريم بروما نظراً لدورها الهام في الصوفية العالمية؛ حيث يستقبل مؤسسها التعليمي الأشهر “دار المصطفى” طلاباً دوليين، لا سيما من جنوب شرق آسيا.
خلال فترة الاستعمار البريطاني، كانت كل من السلطنة الكثيرية في الداخل والسلطنة القعيطية على الساحل تحت الحماية البريطانية. ولم تنضم أي منهما إلى “اتحاد الجنوب العربي” قصير الأمد الذي أنشأته بريطانيا في عام 1962، ولم تشاركا تقريباً في نضال الاستقلال الذي أعقب ذلك.
سيطرت الجبهة القومية للتحرير على المكلا، عاصمة حضرموت، في يونيو 1967، مما ضمن إدراج المنطقة في الدولة المستقلة التي تشكلت في 30 نوفمبر 1967، والتي ألغت على الفور جميع الكيانات السابقة، بما في ذلك السلطنتان.
هيمنت فصائل من منطقة صغيرة شمال عدن على قيادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وخاضت صراعات دموية داخلية (1969، 1978، 1986) خلال سنواتها الثلاث والعشرين. ومع ذلك، حرص القائمون على الحكم على أن يشغل الحضارمة مناصب سياسية رفيعة، وتجنب هؤلاء الرجال المشاركة في تلك الصراعات.
ولفهم الولاءات والانقسامات الحالية، تبرز أهمية فترة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وما تلاها من جمهورية اليمن الموحدة. كانت سياسات اليمن الديمقراطي القائمة على المساواة والعداء للنخب الموروثة مثيرة للانقسام بشكل خاص في حضرموت. ففي أوائل السبعينيات، هاجر العديد من المنتمين إلى الفئات الاجتماعية المتميزة إلى السعودية، وغادر “السادة” (سلالة النبي) وزعماء القبائل والتجار المنطقة مع تأميم الأراضي ومنح حق الانتفاع بها للفلاحين في الداخل الذين كانوا يتمتعون بوضع اجتماعي أدنى تقليدياً.
تنطوي الانقسامات الاجتماعية بين ملاك الأراضي وأولئك الذين تسلموا أراضيهم في ذلك الوقت على خصائص موروثة تشبه نظام الطبقات. ومع توحد شطري اليمن في عام 1990، عادت النخب السابقة، وبفضل سياسات الرئيس علي عبد الله صالح، أعادوا ترسيخ امتيازاتهم واستعادة السيطرة على أراضيهم السابقة. ومع ضعف الحزب الاشتراكي اليمني بعد حرب 1994 الأهلية، تخلت العديد من الفئات ذات المكانة الدنيا عن ولائها السابق للحزب لصالح حزب الإصلاح الإسلامي، الذي يدعو أيضاً إلى المساواة بين الجميع أمام الله.
**الانفصال الجنوبي**
لم تكن حضرموت جبهة عسكرية في الصراع بين الحكومة المعترف بها والحوثيين في الحرب التي بدأت عام 2015، حيث يقاوم الصوفيون السنة في حضرموت الخطاب الأيديولوجي الحوثي. ومع ذلك، فإن صعود الانفصال الجنوبي منذ عام 2017، بالتزامن مع تراخي التحالف السعودي الإماراتي، بدأ يفرض ضغوطاً على المنطقة.
وبعد السيطرة على شبوة، المحافظة الأخرى التي تمتلك احتياطات نفطية في عام 2022، ركز الانفصاليون اهتمامهم على حضرموت وداخلها المنتج للنفط. ومنذ ذلك الحين، انقسمت المحافظة بين قوتين عسكريتين رئيسيتين: المجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات “النخبة الحضرمية” على طول الساحل. وقد أُنشئت الأخيرة في الأصل لمحاربة فرع تنظيم القاعدة في المكلا، بتدخل مباشر كبير من الإماراتيين وحتى الولايات المتحدة. أما في الداخل، فقد كانت عناصر الحكومة المعترف بها الداعمة للوحدة اليمنية هي المسيطرة، مدعومة سياسياً من السعودية، ومن المجتمعات ذات المكانة الدنيا المتحالفة مع حزب الإصلاح.
خلال العام الماضي، برزت قوى قبلية حضرمية بقيادة عمرو بن حبريش لمواجهة الخطاب المتزايد للمجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً، واستخدموا السيطرة على حقول النفط كسلاح، مما ساهم في انقطاع الكهرباء بشكل كبير في عدن وغيرها. وقد حلّت القوة محل الخطاب السياسي، مما جعل المحافظ السابق والحكومة المركزية عاجزين عن المواجهة.
ثمة صراع داخلي يدور داخل مجلس القيادة الرئاسي (الهيئة التنفيذية للحكومة المعترف بها)، يضع العناصر الموالية للوحدة والمدعومة من السعودية في مواجهة الانفصاليين المدعومين من الإمارات وغيرهم. ولم يتم استشارة سكان حضرموت في خضم هذه النزاعات؛ ولو استُشيروا، لاختاروا إما الاستقلال التام أو اتحاداً فضفاضاً مع أي فصيل حاكم يهيمن على اليمن، سواء في عدن أو صنعاء.
وفي أقصى شرق محافظة المهرة، على الحدود مع عمان، كان استيلاء المجلس الانتقالي على السلطة أسهل، لكن السكان -الأقل عدداً وكثافة من سكان حضرموت- لا يدعمون الانفصاليين، نظراً لارتباطهم الوثيق بكل من عمان والسعودية. وقد هددت عمان بإغلاق الحدود ما لم تتم إزالة علم الانفصال، فيما أعرب وجهاء محليون عن تضامنهم مع “الشماليين” الذين يتعرضون لسوء المعاملة والترحيل من قبل المجلس الانتقالي.
**أسباب النزاع**
لماذا انفجرت الأزمة إلى صراع مسلح الآن؟ لا شك أن التوترات كانت تتصاعد في الأشهر الأخيرة، ومع ذلك لم يصل الوضع إلى حالة الصراع المفتوح خلال السنوات الثلاث الماضية لسببين رئيسيين.
أولاً: الحضارمة لم يكونوا (وليسوا) ميالين لمحاربة بعضهم البعض لمصلحة الآخرين، سواء كانوا أجانب أو يمنيين، ويتضح ذلك من حقيقة أن قوات المجلس الانتقالي المشاركة في هذا الهجوم تنتمي لمحافظات جنوبية غربية أخرى. ثانياً: الرعاة الرئيسيون لفصائل الحكومة المتنافسة، أي السعودية والإمارات، تمكنوا حتى الآن من احتواء تنافسهم المتفاقم وتجنب المواجهة العسكرية. بيد أن هذا الأمر تغير في الأشهر الأخيرة.
بعد تعيينه في وقت سابق من هذا العام، بدأ رئيس الوزراء الجديد للحكومة المعترف بها، سالم صالح بن بريك، في السيطرة على المؤسسات المالية، وتحسين سعر الصرف على حساب بعض المستفيدين من المجلس الانتقالي. كما بدأ توجيه اللوم بشكل متزايد للمجلس الانتقالي بسبب انقطاع التيار الكهربائي وظروف المعيشة الصعبة. وعلى الأرض، كانت “قوات درع الوطن” المشكلة حديثاً والتي تدعمها السعودية تزداد قوة، وكان من الممكن أن تصبح قادرة قريباً على مقاومة هجوم المجلس الانتقالي.
منذ عام 2017، كان التنافس السعودي الإماراتي أكثر وضوحاً في اليمن، لكنه ظهر في أماكن أخرى أيضاً. وعلى الصعيد المحلي، تتنافس استراتيجية الأمير محمد بن سلمان لتطوير اقتصاد ما بعد النفط بشكل مباشر مع الإمارات على الاستثمارات الدولية (الأمريكية بشكل أساسي) في المجالات التقنية العالية مثل الذكاء الاصطناعي. وتسعى كلتا الدولتين للحصول على اعتراف دولي كقوى متوسطة ذات نفوذ عالمي، وكلتاهما تريد التوسط في الحرب الروسية الأوكرانية، ولديهما مصالح متضاربة في البحر الأحمر والسودان.
وخلال زيارته الأخيرة لواشنطن، طلب محمد بن سلمان من دونالد ترامب التدخل في السودان، مما شكل تحدياً مباشراً لدعم الإمارات لقوات الدعم السريع، ووجه الأنظار إلى جرائم الحرب التي ترتكبها هذه القوات، وآخرها في دارفور. حتى أن الولايات المتحدة اتهمت الميليشيا المدعومة من الإمارات بارتكاب إبادة جماعية في يناير/كانون الثاني 2025.
ربما ساهم نداء محمد بن سلمان لترامب في القرار الإماراتي بحسم أزمة حضرموت. فقد دعمت الإمارات هجوم المجلس الانتقالي بنشاط، مما ضمن تحقيق نصر عسكري سريع.
**الآفاق المستقبلية**
خلال الأسبوع الماضي، حاولت بعثة سعودية إماراتية مشتركة إيجاد حل. ويطالب السعوديون بانسحاب قوات المجلس الانتقالي من داخل حضرموت واستبدالها بقوات “درع الوطن”، وهي وحدة أُنشئت بدعم سعودي في عام 2023 وتخضع للسيطرة المباشرة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي.
ومن غير المرجح أن يكون الممثل الإماراتي في هذه البعثة قد قدم أكثر من مجرد وعود شفهية لهذه المحاولة من الوساطة. وقد حشد السعوديون قواتهم على جانبهم من الحدود، بينما تتواجد القوات اليمنية الموالية للحكومة المعترف بها على الجانب اليمني.
ومن المرجح أن يؤخر المجلس الانتقالي، بعد حشد مؤيديه للمطالبة بالاستقلال، أي إعلان رسمي للدولة، آملاً في الاستمرار في الاستفادة من المساعدات الدولية الثنائية ومساعدات الأمم المتحدة وتجنب العزلة الدولية الكاملة. وفي محاولة لكسب التأييد الأمريكي وتأكيد مواءمته مع الإمارات، أكد المجلس الانتقالي أنه سيعترف بإسرائيل وينضم إلى “اتفاقيات أبراهام”، وهو أمر من غير المرجح أن يحسن سمعته لدى الشعب اليمني المؤيد بقوة للفلسطينيين.
وبغض النظر عن النتيجة النهائية لهذا الصراع، فإن المواجهة العسكرية القصيرة في الأسبوع الأول من ديسمبر/كانون الأول ستترك جروحاً عميقة. ومحلياً، فإن المزاعم العبثية التي أطلقها عمرو البيض من المجلس الانتقالي، والتي اتهم فيها الحضارمة بأنهم إرهابيون ومؤيدون للحوثيين، تتجاوز كل حدود المنطق. كما أن لغة الشتم والإساءة على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل بعض جنود المجلس الانتقالي ستدفع الحضارمة بالتأكيد إلى النظر لهذا التطور كغزو عدائي، وستؤجج كراهية دائمة تجاه جماعة طالما احتقرها الحضارمة.
بقي الحضارمة الآن في حالة من الضياع، ووطنهم تحت الاحتلال. فقوات المجلس الانتقالي تسيء معاملة من تصفهم بـ “الشماليين” وتطردهم، ومع ذلك يعتبرهم الحضارمة غرباء تماماً مثل أي شمالي، إن لم يكن أكثر. وحتى الآن، ترفض قوات المجلس الانتقالي الانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها في المهرة وداخل حضرموت.
عقد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، اجتماعات في الرياض مع سفراء معظم الدول الكبرى المعنية باليمن، والذين دعوا جميعاً إلى العودة للاستقرار ودعم السلامة الإقليمية للبلاد. ومن المرجح أن يتم سحب الدعم المالي السعودي، الذي كان المصدر الرئيسي لدخل الحكومة (بما في ذلك عناصرها الانفصالية)، مما قد يؤدي إلى انهيار حاد في قيمة العملة الوطنية.
في 17 ديسمبر، التقى العليمي بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقد ناشد السعوديون الآن المساعدة الأمريكية لحل المشكلة، مما يؤكد فعلياً أنها أصبحت الآن قضية بين السعودية والإمارات. ونظراً للموقف الإماراتي المؤيد لإسرائيل والمحاولات السعودية السابقة للتفاوض على السلام مع جماعة الحوثي، فقد ينتهي الأمر بالولايات المتحدة إلى الانحياز للجانب الإماراتي في هذا الصراع، وهو ما سيضع الأساس لتنامي التنافس بين الدولتين ويشجع السعودية على البحث عن دعم في مكان آخر.
وفي غضون ذلك، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة بياناً ضعيفاً بشكل خاص، ناشد فيه جميع الأطراف “ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد وحل الخلافات من خلال الحوار”. إن ادعاء المجلس الانتقالي باستعادة الأمن في المنطقة هو نقيض الحقيقة تماماً؛ ففي الواقع، جلب المجلس الحرب وعدم الاستقرار إلى الأجزاء الوحيدة من اليمن التي نجت سابقاً من الصراع المفتوح. وفي مفارقة أخيرة، يرفع المجلس الانتقالي علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الاشتراكية، بينما يرفض تماماً أي شكل من أشكال الاشتراكية.
المصدر: «Jacobin»
هيلين لاكنر: باحثة مستقلة أقامت في اليمن أكثر من 15 عاما. قضت خمسة منها (1977-1982) في جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية. صدر لها [بالإنجليزية] مؤخرا: اليمن في أزمة – حكم الفرد والنيوليبرالية وتحلل الدولة، عن (دار الساقي، 2017).




