“إسكات العقول”.. استراتيجية الحوثي لتفريغ اليمن من نخبه الأكاديمية وتحويل الجامعات إلى أدوات تبعية

يمن مونيتور/ مأرب / من عبدالله العطار
بين جدران السجون المخفية ووسط مخاوف مستمرة، يقبع عدد من أبرز الأكاديميين في اليمن، بينما يعيش آخرون في حالة توتر دائم، مهددين باختطافات متكررة من قبل جماعة الحوثي المسلحة.
هذا الواقع، الذي يُعدّ امتدادًا للحرب المُجرّدة بالسلاح، يتخذ الآن أشكالاً أكثر دقة وخطورة: إسكات العقول، وتدمير البنية التحتية للتعليم والبحث العلمي من الداخل.
يرصد تقرير لموقع “يمن مونيتور”، آراء نخبة من أكاديميي جامعة إقليم سبأ حول هذه الظاهرة التي تصفها منظمات حقوقية بأنها الأخطر على مستقبل التعليم والبحث العلمي في اليمن.
الأكاديميون في مرمى النار
يقول الدكتور علي الرمال نائب رئيس جامعة إقليم سبأ لشؤون الطلاب، إن استهداف الأكاديميين يرقى إلى كارثة وطنية وإنسانية خطيرة، تهدد البناء الاجتماعي والتنموي للمجتمع.
وشدد الرمال على أهمية شريحة الأكاديميين باعتبارها مصدر إلهام وقدوة للأجيال القادمة.
وأشار في تصريح لـ “يمن مونيتور”، إلى أن الدستور والقوانين تكفل حقوق أعضاء هيئة التدريس بشكل واضح، إلا أن هذه الحقوق تتعرض اليوم لانتهاكات صارخة أمام أنظار الجميع، مما يعكس أبعاداً مأساوية في وضع الأكاديميين.
وقال الرمال إن الأخبار المتكررة عن اختطاف الأساتذة والمعلمين تثير قلقاً عميقاً، إذ أن استهداف صانعي العقول يعد استهدافاً مباشراً لمستقبل الوطن، ويحمل تبعات بالغة على التنمية والتعليم في البلاد.
حملة ممنهجة تستهدف العقل اليمني وفرض ثقافة الخضوع
ويشير الدكتور عبدالله البكري، أستاذ في جامعة إقليم سبأ، إلى أن ما يحدث في الجامعات تحت سيطرة الحوثيين ليس مجرد تجاوزات فردية، بل يأتي ضمن سياسة ممنهجة تستهدف الفكر الوطني المستقل.
وقال البكري في تصريح لـ “يمن مونيتور”، إن اختطاف الأساتذة والباحثين يعد جزءًا من مشروع يهدف إلى تجريف العقول وفرض ثقافة التبعية والخضوع، مؤكدًا أن الميليشيا تدرك أن السيطرة على الجامعات تعني السيطرة على مستقبل البلاد.
وأضاف أن المئات من الأكاديميين يعيشون تحت ضغط مستمر، ويتعرضون للتهديد والمراقبة في ظل هذه الظروف، بينما أجبر عدد كبير منهم على ترك مناصبهم أو الهروب خارج اليمن بحثًا عن بيئة آمنة للعمل والبحث العلمي.
وأكد البكري أن هذه السياسة تضع الجامعات في مهب السيطرة السياسية، مما يهدد مستقبل الأجيال المقبلة ويعكس خطورة استخدام التعليم كأداة لقمع العقل والفكر الحر.
تحويل الجامعات إلى أدوات تعبئة أيديولوجية
ويذهب الدكتور فاروق الصباري، عميد مركز اللغات بجامعة إقليم سبأ، إلى أن الوضع داخل الجامعات كارثي، موضحًا أن المحاضرات تحولت إلى مناسبات تمجيد للجماعة الحوثية وتشويه التاريخ الوطني الحقيقي.
وأضاف الصباري أن هذه السياسات أدت إلى استبعاد كل من يعارض توجهات الجماعة، حيث تعرض العشرات من الأكاديميين للاختطاف والسجن والفصل التعسفي بسبب رفضهم المشاركة في أنشطة تخدم الأهداف السياسية للمليشيا.
تهديد استقلال البحث العلمي في اليمن
من جانبه يؤكد أحد أساتذة القانون في جامعة إقليم سبأ أن ممارسات المليشيا تمثل انتهاكاً صارخاً للدستور اليمني والقوانين الدولية.
وقال الأكاديمي الذي فضل عدم ذكر أسمه إن اختطاف أساتذة الجامعات دون توجيه تهم معلنة، أو اختلاق اتهامات كما حصل مع البروفيسور حمود العودي، يعد جريمة ضد الإنسانية لا تبررها أي ذريعة.
وأضاف أن هذه الانتهاكات تخلّ بفصل الجامعات عن الضغوط السياسية، وتؤدي إلى خلق بيئة يسودها الخوف والرقابة. وأوضح أن استمرار هذه الممارسات يعيق سير البحث العلمي ويهدد الإبداع الفكري داخل المؤسسات التعليمية.
الرداعي يكشف حملة ممنهجة ضد الأكاديميين
من جانبه يكشف الدكتور عبد الخالق الرداعي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة إقليم سبأ، عن وجود حملة ممنهجة ومتواصلة تستهدف الأكاديميين من قبل مليشيا الحوثي منذ انقلابها.
وقال الرداعي إن هذه الحملة تأخذ شكل اختطافات واحتجازات يومية تستهدف العلماء بغض النظر عن أعمارهم أو مكانتهم العلمية.
وأوضح الرداعي أن الدكتور حمود العودي المعتقل رغم تقدمه في السن، بالإضافة إلى الدكتور يوسف البواب وعدد من الأكاديميين الشباب، ما زالوا يقبعون في سجون الحوثيين. وأضاف أن المعتقلين يُحتجزون في ظروف غير إنسانية ومظلمة، في محاولة واضحة لإذلال النخبة العلمية والانتقام منهم بسبب تمسكهم بالعلم والحرية الفكرية.
وأشار الرداعي إلى أن المليشيا الكهنوتية تستخدم أساليب التفرقة الجينية والطائفية في انتهاكاتها، متجاوزة كل القوانين الدولية والدستور اليمني الذي يضمن المساواة بين المواطنين.
وشدد على أن استهداف المثقفين والمتعلمين من قبل الحوثيين يعكس عداءهم للعلم والحياة، مشيرا إلى أن هذه السياسة دليل على قرب زوالهم بمشيئة الله.
وأكد الرداعي أن استمرار هذه الحملة العدائية يؤكد أن الحوثيين يسعون لنشر الجهل والظلام بعد أن جعلوا من النخب العلمية هدفا مباشرا، ما يزيد من معاناة المجتمع اليمني ويعطل مسيرة التنمية والتقدم.
الحوثي مشروع لترسيخ الجهل في اليمن
في تحليل سياسي حاسم، يشدد الدكتور عبدالعزيز عيدان، الأكاديمي من كلية التربية بمحافظة الجوف، على أن جماعة الحوثي تمثل مشروعاً منهجياً ضد الحياة والتعليم في اليمن.
ويرى عيدان في تصريح لـ “يمن مونيتور”، أن استهداف التعليم يعد إحدى الوسائل الرئيسية للجماعة لترسيخ الجهل وتكريس التبعية في المناطق التي تسيطر عليها.
ويشرح عيدان أن خطوات الحوثيين تبدأ بتدمير القاعدة التعليمية عبر اختطاف المضطهدين من الأكاديميين والمعلمين والباحثين واستبدالهم بعناصر موالية للجماعة. وقال إن “جماعة الحوثي لن تقوم إلا على أنقاض الجهل، ولا يناصرها إلا الجهلاء”، مؤكداً أن كلما ارتفع مستوى التعليم، تراجع نفوذ الجماعة بشكل كبير.
وأضاف أن استهداف الأكاديميين والأستاذة والطلاب ليس مجرد اعتداء فردي، بل هو حملة ممنهجة تهدف إلى زرع الجهل والاستحواذ على المجتمع عبر تفريغ التعليم من محتواه العلمي والثقافي.
وأشار عيدان إلى حادثة اختطاف المفكر المعتدل حمود العودي، الذي كان له دور بارز في تعليم أجيال من الطلاب، مؤكداً أن هذه العمليات موجهة بشكل واضح لإضعاف الشخصيات التربوية التي تمثل خط الدفاع ضد الانقلاب والدمار.
اختطاف الأكاديميين يهدد مستقبل التعليم
وتتعرض النخبة العلمية في اليمن لحملة اختطاف واختفاء قسري مستمرة منذ عام 2015، حيث تشير مصادر أكاديمية وحقوقية إلى اختفاء أكثر من 70 أكاديمياً وباحثاً تحت سيطرة مليشيا الحوثي، بينهم رؤساء جامعات وعمداء كليات، ويظل مصير العديد منهم مجهولاً حتى اليوم.
ويعرب أساتذة جامعة إقليم سبأ عن استنكارهم لصمت المجتمع الدولي ومنظماته تجاه هذه الانتهاكات الموثقة، معتبرين هذا التجاهل تواطؤاً غير مباشر مع القمع الممنهج الذي يستهدف أبناء الفكر والعلم في اليمن.




