غير مصنف

هونَي ياما وصنعاء… ثنائية اللون والسفر عبر التاريخ والخيال

في أقصى الشرق، حيث تتجاور المادية التكنولوجية مع روح الورد ، وتتعانق الدقّة مع الحلم، كانت الفنانة اليابانية هونَي ياما (HoneYama) — وهو اسمها الفني — تمسك بفرشاتها الصغيرة، تغمسها في ماءٍ رقراق وتلوّن العالم كما تشاء. لم تكن تدري آنذاك أنّ تلك الفرشاة ستقودها يومًا نحو مدينةٍ بعيدةٍ، لكنها عابقة بروح التاريخ وناضحة بالتفاصيل المدهشة؛ اسمها صنعاء، المدينة التي لم تكن قد وطأتها قدميها من قبل، لكنها منذ الخطوة الأولى في رحابها سكنت روحها للأبد.

في هذا المقال الذي نخصصه لتناول تجربة ياما عن اليمن، نحاول أن نتتبّع أثر الضوء في لوحاتها، وأن نفهم كيف قادها اللون إلى تلك المدينة العربية البعيدة التي تحوّلت في وجدانها إلى فضاءٍ فنيٍّ مفتوحٍ على الحلم والجمال.

منذ طفولتها، أحبت ياما الألوان كما يحب الآخرون اللعب. كانت ترسم لترى الحياة أكثر إشراقًا، ومع الزمن صارت ألوانها أكثر صفاءً، وملامسة للذهن والروح معا؛ تقول: “كنتُ أرسم منذ طفولتي، لكنني بدأت نشاطي الفني بشكلٍ جدي منذ حوالي خمس سنوات، حيث أنشأتُ مدونة متخصصة في تقنيات وأدوات التلوين بالألوان المائية، بالتزامن مع إبتكار شخصياتي الأصلية”.

رسم هونَي ياما

من حينها ، صار الرسم بالنسبة لها وسيلة حياة، لا مجرد هواية. زاد نهمها في البحث  عن الجمال في كل زاوية، وإعادة اكتشاف العالم من خلال انعكاس الضوء على الورق، لتأتي تلك الصدفة البسيطة التي غيّرت مسارها الفني: مجلة سفرٍ قديمة على رف مكتبة محلية، بين صفحاتها كانت اليمن، وكانت صنعاء تحديدًا تلوّح لها من بعيد كحلمٍ لم يُكتمل بعد.

تتذكر تلك الصدفة بابتسامة خفيفة وتقول:”عندما كنتُ طالبة، اشتريت مجلة عن السفر من إحدى المكتبات. كان فيها عددٌ خاص عن اليمن، وقد أسرتني الصور الرائعة لمدينة صنعاء القديمة. وحين بدأتُ في بناء مدينة خيالية داخل عالمي الفني، كانت صنعاء أول ما خطر في بالي كنموذجٍ لجمالها المعماري الفريد”.

منذ ذلك اللقاء الأول عبر الصورة، لم تعد صنعاء بالنسبة لها مكانًا جغرافيًا، بل مدينةً تستوطن الوجدان. في لوحات ياما، تتحول الأبراج الطينية والزخارف الجصية إلى موسيقى تتسلل لعمق النفس بهدوء وصمت ،ويغدو الطين دفئًا إنسانيًا عابر للجغرافيا والثقافات ليستقر في نفس عاشقة للجمال.

رسم هونَي ياما

تقول بإعجاب:”ما أدهشني في عمارة صنعاء هو التناسق العجيب بين المباني رغم تنوّع تفاصيلها. كل منزل يملك زخارفه الخاصة، ومع ذلك تشعر أن المدينة بأكملها تتنفس بروحٍ واحدة وتاريخٍ واحد. ذلك الانسجام يمنحها جلالًا وجمالًا لا يُنسى”.

تحت هذا الإلهام راحت ياما تبني على الورق مدينتها الخاصة؛ تستعير من صنعاء ملامحها المدهشة، لكنها تضع عليها توقيعها الياباني المميز. لم تكن ترسم كما يرى الناس، بل كما يجب أن تكون الأشياء في خيالها. تقول ياما : “أرغب في أن أتعرف أكثر على التفاصيل الداخلية للمنازل اليمنية، لأجمع المراجع وأجسّدها في أعمالي القادمة.”

تبدو رغبة ياما تلك كأنها وعدٌ غير معلن بالسفر عبر الخيال، فالفنان لا يحتاج إلى جواز سفرٍ حين يمتلك خيالًا واسعًا، ولا إلى تذكرةٍ حين يكفيه لونٌ من الأزرق ليصل إلى سماءٍ جديدة.

حين سُئلت ياما عمّا تطمح إليه من خلال فنّها، أجابت ببساطة تُلخّص فلسفتها الجمالية:”أتمنى أن يشعر المشاهد عندما يرى لوحاتي بالرغبة لزيارة مكان جميل كذلك الذي تعكسه اللوحة(أودّ زيارة مكانٍ جميل مثل هذا) أو يا لها من شخصية لطيفة أو رائعة، أو كم هو جميل الرسم بالألوان المائية! .إذا وصلت هذه المشاعر الثلاثة إلى المتلقي، فأنا راضية وسعيدة جدًا”.

بهذه العفوية تُلخّص ياما فلسفتها الفنية: بأن الفن لا يُلقَى كخطاب، بل يُعاش كحالة وجدانية، في عالمها الجمال ليس موضوعًا بل تجربة، واللوحة ليست مكانًا بل شعورًا، حين تنظر إلى أعمالها، تشعر أنك تسير في أزقةٍ صغيرة تتلألأ بالماء والضوء، كأنها مصنوعة من الحنين  أكثر من الألوان.

ليست لوحاتها مجرد تجسيد لأماكن متخيلة، بل عوالم عاطفية؛ فيها البيوت أرواح لا تُغلق نوافذها، وسماء لا تنطفئ زُرقتها.

رسم هونَي ياما

تتحدّت ياما عن تجربتها في المعارض، بشكل يعكس زهدها بالشهرة في مقابل حرصها و اهتمامها بالصدق الفني:

“نعم، شاركتُ بأعمالي في معرضٍ فني نظّمته إحدى شركات تصنيع أدوات الرسم. أما في العادة، لكنني أعادة أمارس نشاطي الفني عبر الإنترنت”.

وأضافت:“العوالم التي أرسمها لا تستوحي من صنعاء في اليمن فحسب، بل تستلهم أيضًا من ثقافات جميلة من مناطق كثيرة حول العالم. أتمنى أن يشعر كل من يرى لوحاتي ولو للحظةٍ واحدة بالانبهار أو الإعجاب بها”.

رسم هونَي ياما

ومع مرور السنوات، اتّسعت عوالم ياما المائية حتى صارت جسرًا بين الثقافات، متجاوزة الحدود التي تفصل بين الشرق والغرب،و المسافات بين الخيال والواقع. إذ تشبه لوحاتها الحلم حين يبدأ في عيني النائم، ثم يمتدّ في الضوء ببطءٍ وهدوءٍ يابانيٍّ خالص.

ولعل أهم السمات اللافتة في أسلوب هونَي ياما هي اهتمامها العميق بالتفاصيل، سواء تفاصيل الشخصيات أو الخلفيات أو العوالم التي تبتكرها. كل خط ولون وملمس محسوب بعناية، وكل ظلّ في الرسم يعكس إحساسها الداخلي بالجمال. هذا الانتباه الدقيق لا يصدر عن رغبةٍ في الكمال وحدها، بل عن شغفٍ حقيقي لخلق عالمٍ يمكن للمشاهد أن يسكنه، كما لو كان يسير بين أزقة صنعاء القديمة، متأملًا ناطحات السحاب القديمة والمآذن والبساتين المعلقة.

وكما أن الفن يعكس روح الفنان، فإن هونَي ياما تبدو  في حديثها كما في لوحاتها — مخلصة للدهشة. تبحث عن الجمال البسيط في تفاصيل المدن، كما لو أنها تنقّب عن ذاكرةٍ بشرية تسكن الطين والضوء.

ولعل صنعاء، بما تحمله من روحٍ معمارية تجمع التاريخ والإنسان واللون، وجدت في قلبها الياباني صدى بعيدًا يشبه الحنين إلى بيتٍ لم تزرْه يومًا، لكنها عرفته بالفطرة.

هكذا تتلاقى المدن عبر الجمال:

صنعاء التي تحرسها المآذن والجبال، وهونَي ياما التي ترسمها بخيوطٍ من ماءٍ وضوء.

كأن الفن هنا ليس جسرًا بين ثقافتين فحسب، بل عودة إلى المعنى الأول للجمال — ذلك الذي يوحّد البشر مهما ابتعدت المسافات.

ولأنها استلهمت صنعاء، كان لا بد من وقفةٍ تأمليةٍ قصيرة في المدينة نفسها، تلك التي ألهمت خيالها من بعيد.

فصنعاء القديمة — مدينة ناطحات السحاب المعمورة بالياجور والزخارف البيضاء — ليست مجرد أثرٍ تاريخي، بل نصّ معماريّ مفتوح. أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي عام 1986، لتميزها بمنازلها الشاهقة المكونة من اللبن والطوب المحروق، تتخللها نوافذ مزخرفة تعرف باسم القمريات، تعكس الضوء للداخل بأسلوبٍ ساحر.

وقد احتفظت المدينة داخل أسوارها بتجانسٍ معماري فريد يعكس عبقرية الإنسان في تصميم الفراغات واستخدامها عبر الزمن.

وهكذا ظلّت منازلها، منذ أكثر من ألفين وخمسمئة عام، شاهدةً على عبقريةٍ لا تنطفئ — عبقريةٍ جمعت بين الجمال والوظيفة، بين الحلم والمعيش، وبين ما هو إنساني وما هو خالد. وربما لهذا السبب، حين ترسم هونَي ياما مدينتها الخيالية، فإنها في الحقيقة تُعيد إلينا ذكرى المدن التي لا تموت — تلك التي تسكن الضوء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى