ثورتا سبتمبر وأكتوبر…خيط واحد من النضال رسم وحدة اليمن من الشمال إلى الجنوب

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من عميد المهيوبي
أضاءت ثورة 26 سبتمبر 1962 ضد النظام الإمامي في شمال اليمن الطريق أمام ثورة 14 أكتوبر 1963 التي قاوم فيها اليمنيون الاستعمار البريطاني في الجنوب. لم تكن الثورتان حدثين منفصلين، بل فصلين متكاملين في قصة نضال واحدة رسمت خارطة التحرر الوطني.
وكانت ثورة سبتمبر الشرارة التي أشعلت الأمل في قلوب ثوار الجنوب، وحطمت أسطورة استحالة مواجهة القوى الاستعمارية.
وأثبتت أن إرادة الشعوب أقوى من جبروت الإمبراطوريات، وأن الليل مهما طال لا بد أن ينجلي عن فجر الحرية.
وعلى المستوى الشعبي، توحد اليمنيون في الشمال والجنوب عبر أغانٍ ثورية وهتافات وقصائد، فالأرض واحدة والهدف مشترك.
ولم تكن اللهجات المختلفة عائقًا أمام لغة الحرية التي فهمها الجميع، فالتاريخ يكتبه الناس عندما يتوحدون خلف فكرة واحدة.
لم يقتصر التضامن على الميدان فقط، بل امتد إلى وسائل الإعلام حيث لعبت إذاعة صنعاء دورًا محوريًا في نقل روح الثورة إلى الجنوب. بثت الرسائل التحريضية والدعم المعنوي، ما عزز الشعور بالوحدة الوطنية وأكد أن المصير واحد مهما تباعدت الجغرافيا.
ترابط الوعي الثوري بين سبتمبر واكتوبر
يرصد المفكر عبدالباري طاهر تطورات المشهد السياسي والاجتماعي في اليمن، مشيراً إلى أن الشعب اليمني كان في الماضي متماسكاً ومترابطاً بشكل أفضل من حاله اليوم، رغم الانقسامات التي فرضها الاستعمار البريطاني في الجنوب والوجود التركي في الشمال. وأوضح أن الانقسام السياسي استمر بعد قيام المتوكلية اليمنية عام 1918، لكن الترابط المجتمعي كان لا يزال قوياً ومؤثراً.
وأشار طاهر إلى مبادرة الوحدة التي قدمها الرحالة والسياسي التونسي عبدالعزيز الثعالبي في بداية العشرينيات، والتي اتفقت عليها أغلب الأطراف اليمنية باستثناء إمامة البطنين التي رفضتها سلاطين الجنوب لأسباب دينية وفقهية.
وشدد المفكر على الدور المحوري الذي لعبته مدينة عدن في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حيث أصبحت مركزاً اقتصادياً وثقافياً يجمع اليمنيين من مختلف المناطق، واستقبلت آلاف العمال والطلاب والمعارضين السياسيين.
ونشأت هناك نقابات وأحزاب موحدة وازدهرت صحافة المعارضة مثل صحيفة “صوت اليمن” و”الفضول”، ما ساهم في تعزيز الوعي الوطني ونشر ثقافة الحداثة.
ولعبت الفنون والأغاني الشعبية دوراً بارزاً في توحيد الوجدان الوطني، إلى جانب الجمعيات القروية والنوادي الأدبية التي ساهمت في نشر التعليم الحديث والانتماء الوطني.
كما شهد الإعلام في عدن انفتاحاً كبيراً، حيث كانت صحيفة “فتاة الجزيرة” أول من أتاح مساحة للكتاب اليمنيين، وكان لرئيس تحريرها المحامي محمد علي لقمان دور فعال في الدعوة للدستور والتغطية السياسية لحركة 1948.
وأكد طاهر أن التعليم الحديث والنقابات الموحدة والأحزاب والتيارات السياسية الحديثة كانت عوامل رئيسية في نشر الوعي والثقافة لمواجهة الإمامة والاستعمار.
كما أشار إلى مشاركة أبناء الجنوب في القتال الوطني في الشمال، حيث كان لهم دور قيادي في الثورة الديمقراطية الشعبية، بينما شارك ثوار أكتوبر من كل أنحاء اليمن، معتمداً على خلفيات مدن تعز وإب ورداع والبيضاء.
وعن تطورات ثورة سبتمبر 1962، كشف طاهر أن أول اجتماع ضم مئات قادة جبهة تحرير الجنوب تم في صنعاء عام 1963، حيث أعلن الكفاح المسلح لتحرير الجنوب، في حين كانت بريطانيا تدعم فلول الملكية والمرتزقة. وأكد أن العلاقة بين صنعاء والجبهة القومية كانت قوية في السنوات الأولى من الكفاح، مع وجود قادة موحدين من مختلف أبناء الشعب اليمني، على رأسهم قحطان محمد الشعبي وزيراً في صنعاء.
وتبرز هذه الرواية السياسية والاجتماعية ترابط اليمنيين عبر التاريخ رغم الانقسامات السياسية، وتؤكد أن الوحدة الوطنية كانت حاضرة عبر مؤسسات مدنية وثقافية وسياسية رغم التحديات التي فرضتها قوى الاستعمار والأنظمة الإمامية.
محطات ربطت ثورتي سبتمبر وأكتوبر
وما بين شعلة سبتمبر ووهج أكتوبر، تمتد خيوط الحلم اليمني الأول حلم الحرية والوحدة والكرامة الذي صنعه الثوار في الشمال والجنوب.
في تصريح خاص لـ”يمن مونيتور”، يستعيد الكاتب والباحث محمد عبدالوهاب الشيباني ملامح تلك المحطات التاريخية التي نسجت خيوط الترابط بين ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، مشيراً إلى أن القول بواحدية الثورة اليمنية لم يكن شعاراً عاطفياً ولا سيولة خطاب انفعالي ، بل واقعاً تجسد في وحدة النضال والوعي في الجغرافية اليمنية جنوبها والشمال.”
يقول الشيباني إن:الحياة في كل مناطق الجنوب( عدن والمحميات) قبل ثورة أكتوبر كانت خانقة سياسياً واقتصاديا تحت وطأة الاستعمار البريطاني، غير أنها شهدت حراكاً سياسيا متنامياً مع قدوم الأحرار من الشمال إلى عدن، حيث أُعلن في عام 1944 تأسيس حزب الأحرار على يد الأستاذين النعمان والزبيري، ليكون أول كيان سياسي يمني معارض لحكم الإمام يحيى في صنعاء. ثم توالت خطوات المعارضة السياسية بتأسيس الجمعية اليمانية الكبرى عام 1946، التي وجهت الأنظار شمالاً وجنوباً نحو معضلة الاستبداد والاستعمار معاً، لتشكل اللبنة الأولى في طريق الوعي الجديد بالتحول،
وفي منتصف الخمسينات تشكلت الجبهة الوطنية المتحدة في عدن، والتي قادت حراكا سياسيا لمقاطعة انتخابات المجلس التشريعي، ورفعت شعار عدن يمنية.”
وأكد أنه مع اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962 في الشمال انتقل التأثير الثوري إلى الجنوب، فكانت بمثابة الانفجار المعنوي الذي حرك مشاعر الجميع وألهمهم القوة لخوض معركة الخلاص من الاحتلال البريطاني.
“صوت الثورة في صنعاء وصل إلى ردفان وعدن وأبين، فاشتعلت الحناجر بنداء واحد: آن أوان الحرية.”
تعز.. حاضنة للثورتين
وأوضح الشيباني أن مدينة تعز كانت القلب النابض الذي جمع الثورتين معاً، إذ احتضنت قيادات الكفاح المسلح، وتحولت إلى مركز تنسيق وانطلاق للمقاومين ضد الاستعمار.
فعبرها عاد المقاتلون من أبناء يافع والضالع وردفان بعد معارك الشمال عام 1963، حاملين السلاح والدعم والتخطيط لانطلاقة ثورة 14 أكتوبر”.
مشيراً إلى أن “الكثير من الثوار احتضنتهم مدن الشمال في فترة الكفاح المسلح ومناهضة الاستعمار في الجنوب أمثال محمد سعيد عبدالله (محسن) ، سالم ربيع علي، علي صالح عباد (مقبل)، عبدالفتاح إسماعيل، عبد العزيز عبد الولي وعبدالله الاصنج ومحمد سالم باسندوة وغيرهم الكثير من رموز الجبهة القومية وجبهة التحرير الذين أسهموا في صياغة وعي الثورة في الجنوب اليمني المحتل”.
وأضاف ” لقد لعبت تعز دوراً إعلامياً محورياً بإطلاق إذاعتها عام 1965 وبرنامجها الشهير “صوت الجنوب الثائر” الذي قدمه الإعلاميان عبدالله شمسان وحسن العزي، لتصبح منبراً موجهاً لدعم الكفاح المسلح وإشعال جذوة التحرر في نفوس الجنوبيين”.
ويستعيد الشيباني واحدة من اللحظات المفصلية حين زار الرئيس جمال عبدالناصر مدينة تعز في أبريل 1964، وأطلق من ميدانها عبارته الشهيرة: “على بريطانيا العجوز أن تحمل عصاها من الجنوب وترحل”، وهي لحظة اعتُبرت علامة فارقة في الوعي الثوري اليمني ومصدر إلهام للمنخرطين في الكفاح المسلح”.
ويختتم الشيباني تصريحه قائلاً: “تعز كانت الحاضن الحقيقي، سياسيا وعسكريا، لروح الثورة . فمنها امتد مسار النضال الذي ربط صنعاء بعدن، وجعل من الحلم بالحرية مشروعاً واحداً لشعب واحد.”




