رغم الفوز على فياريال: ثلاث قضايا بنيوية تُقلق ريال مدريد
مأرب الورد
بالرغم من فوز ريال مدريد على ضيفه فياريال بثلاثة أهداف مقابل هدف — سجلها فينيسيوس جونيور هدفين وكيليان مبابي هدفًا — في الجولة الثامنة من الدوري الإسباني، وهي المباراة الأخيرة قبل التوقف الدولي، فإن هذا الانتصار لم يُخفِ ما كشفته المواجهة من ثلاث قضايا بنيوية على تشابي ألونسو التعامل معها بجدية، إذ لا تتعلق بالنتيجة بقدر ما تمس جوهر أداء الفريق وتنظيمه داخل الملعب.
القضية الأولى: هشاشة التحولات الدفاعية
بدأ ألونسو المباراة بخطة 4-3-3، واضطر إلى إجراء تعديلات اضطرارية في الخط الخلفي نتيجة الإصابات المتعددة التي طالت الأظهرة، فاستعان بقائد الفريق في مركز الظهير الأيمن لتعويض غياب كارفاخال وترنت. وقد نجحت هذه الخطوة جزئيًا في تأمين الجهة الدفاعية ومنح بعض الدعم الهجومي، إلا أن اللقاء كشف عن مشكلة أكثر عمقًا تتمثل في ضعف الفريق أمام التحولات السريعة والهجمات المرتدة.
إلى جانب المشكلة المزمنة في التعامل مع الكرات الهوائية — وهي الثغرة التي كلفت الفريق أهدافًا مؤلمة في مباراة الديربي أمام أتلتيكو — بدا واضحًا أن تمركز المدافعين داخل منطقة الجزاء يفتقر إلى الانسجام والدقة. ورغم أن هاوسن يتميز بطول فارع يمنحه أفضلية في الكرات العالية، فإن هذه الميزة الفردية لم تكن كافية لتعويض الخلل الجماعي في التمركز، إذ يعاني خط الدفاع بأكمله، بما في ذلك هاوسن، من سوء تغطية وتقدير للمساحات، ما يجعل الفريق عرضة للخطورة المستمرة.
في الدقيقة 40 تجلت هذه الثغرات بوضوح، حين انطلق لاعب فياريال تاني من منتصف الملعب بسرعة، متجاوزًا الضغط الأول وسط ملاحقة غير فعالة من هاوسن وميليتاو، اللذين لم ينجحا في افتكاك الكرة منه أو تعطيل اندفاعه، ليتفوق عليهما بالسرعة وينفرد بالحارس كورتوا، الذي أنقذ الموقف بردة فعل مميزة وتصدى لتسديدة كانت كفيلة بتقدم الضيوف.




وفي الدقيقة 60 كاد بيبي أن يسجل هدف التعادل بعدما وجد نفسه دون رقابة على الجهة اليمنى، في ظل تأخر كاريراس وزملائه في العودة الدفاعية، قبل أن تضيع الكرة من خط المرمى.


ثم جاءت الدقيقة 73 لتؤكد عمق الأزمة حين تلقى جورج ميكاوتادزي تمريرة على حدود المنطقة دون أي ضغط، ليثبت الكرة ويسدد بكل أريحية في الشباك.

هذه المشاهد ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات إنذار واضحة على أن ريال مدريد ما زال هشًا أمام الفرق التي تمتلك أجنحة سريعة أو تجيد التحول السريع من الدفاع إلى الهجوم، وهو ما يفرض على ألونسو إعادة النظر في آلية التمركز الدفاعي، وتعزيز الربط بين الخطوط عند فقدان الكرة، وتفعيل الأدوار الوقائية للاعبي الوسط قبل أن تصل التهديدات إلى المنطقة الخطرة.
القضية الثانية: غياب الديناميكية في خط الوسط
المعضلة الثانية التي كشفتها المباراة تمثلت في جمود خط الوسط وافتقاده للمرونة المطلوبة في الانتقال السلس بين الهجوم والدفاع. فالثنائي تشواميني وسيبايوس، اللذان شكّلا محور الارتكاز، لم يقدّما الانسجام ولا السرعة الذهنية اللازمة في التحرك عند فقدان الكرة، مما جعل الفريق يفقد توازنه في لحظات التحول.
وكلما تجاوز فياريال الضغط الأول من المهاجمين، وجد أمامه مساحات واسعة غير مؤمنة تسمح له بالوصول إلى مناطق الخطورة بسهولة، في غياب التغطية السريعة من لاعبي الوسط الذين بدوا متأخرين في الارتداد وفاقدين للحس التوقعي الذي يتطلبه أسلوب ألونسو القائم على الضغط العالي والتحول الفوري بين المراحل.
لم يتغير هذا الوضع إلا مع دخول بيلينغهام وكامافينغا في الثلث الأخير من الشوط الثاني، حيث استعاد الفريق توازنه بفضل حركية بيلينغهام وقدرته على كسر الخطوط، وسرعة كامافينغا في سد المساحات خلف الأظهرة المتقدمة. هذه اللحظة أكدت أن غياب لاعب يملك صفات كامافينغا — رغم أنه ليس لاعب ارتكاز بالمعنى التقليدي — يُضعف من قدرة الفريق على السيطرة في منطقة الوسط، ويجعل دفاعه مكشوفًا في أكثر اللحظات حساسية.

المسألة هنا ليست فنية فحسب، بل ذهنية وبدنية أيضًا؛ إذ يبدو أن بعض لاعبي الوسط لم يتأقلموا بعد مع متطلبات أسلوب ألونسو القائم على التحولات السريعة والضغط المستمر. لذلك، من الضروري أن يعيد المدرب التفكير في توليفة أكثر مرونة، إما عبر إشراك لاعب يتمتع بقدرات دفاعية وسرعة انتقال، أو بتعديل أدوار لاعبي المحور بحيث يصبح أحدهم مكلّفًا بالتحرك العكسي الفوري عند فقدان الكرة لتأمين الارتداد الدفاعي.
القضية الثالثة: الحاجة إلى تنويع الحلول الهجومية
أما القضية الثالثة فتتعلق بالشق الهجومي، وتحديدًا في كيفية تعامل الفريق مع الكثافة الدفاعية التي واجهها أمام فياريال. فالفريق الأصفر اعتمد أسلوبًا دفاعيًا متماسكًا بخطوط متقاربة ومتوسطة الارتفاع، الأمر الذي جعل ريال مدريد يعتمد في أغلب فترات المباراة على محاولات فردية من فينيسيوس أو مبابي، دون فعالية جماعية أو تنويع في طرق الاختراق.
رغم أن الفريق سدد 26 كرة خلال اللقاء، إلا أن 7 منها فقط وصلت إلى المرمى، وهو رقم يعكس افتقادًا واضحًا للجودة في التسديدات وعدم استثمار الفرص بشكل كافٍ. كما غابت الحلول من خارج المنطقة، سواء عبر التسديد المباشر أو الكرات العرضية المتقنة التي يمكن أن تخلق تفوقًا عدديًا داخل الصندوق.
ولأن مبابي وفينيسيوس ليسا من نوعية المهاجمين الذين يجيدون التعامل مع الكرات الهوائية، فإن الفريق بحاجة إلى تنويع خياراته، سواء عبر إشراك لاعبي وسط يجيدون الارتقاء — مثل تشواميني الذي كادت رأسيته أن تسكن الشباك — أو عبر رفع جودة التسديدات البعيدة التي بدت ضعيفة وعشوائية في مباراة فياريال رغم كثرتها.
خلاصة تحليلية
يمكن القول إن مباراة فياريال كانت مرآة صادقة لوضع ريال مدريد الحالي: فالفوز بثلاثة أهداف يمنح الفريق ثقة ودفعة معنوية قبل التوقف الدولي، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن مناطق هشاشة تحتاج إلى إصلاح عاجل.
الدفاع ما يزال بحاجة إلى انضباط أكبر في التحولات، وخط الوسط يفتقر إلى الحيوية والقدرة على التغطية السريعة، والهجوم يحتاج إلى تنويع وتحرير من النمطية.
إنها قضايا لا تتعلق بالتكتيك وحده، بل بالبناء الذهني لشخصية الفريق التي يريدها تشابي ألونسو — فريق لا يكتفي بتحقيق النتائج، بل يفرض أسلوبه، يسيطر، ويمنح جمهوره شعورًا بالطمأنينة بأن الانتصارات ليست وليدة لحظات، بل ثمرة منظومة متكاملة من التنظيم والوعي والصلابة.




