أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

حكايات الجدات عن “كهنوت الإمامة”… تاريخ منسي لم تُدوّنه الكتب

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من محمد عبدالقادر اليوسفي

في زاوية بيت طيني بمديرية المعافر في محافظة تعز (وسط اليمن)، جلست أم عبدالله تتكئ على عصاها الخشبية. عيناها تلمعان بدموع قديمة، وبصوت مرتجف تحكي: “كانوا يأتون كل موسم، يجرون الرجال بالقوة، يأخذون الحبوب من المخازن، ولا يتركون لنا شيئًا”.

وتضيف: “رأيتُ إخوتي يُساقون حفاة في الليالي الباردة لحمل المؤن على ظهورهم. عادوا بعد أسبوع كامل، وواحد منهم مات في قصر الإمام بصنعاء ولم يرجع معهم”. صمتت طويلًا، كأنها تحاول أن تُبعد صور الماضي عن ذاكرتها.

ليست “أم عبدالله” وحدها، فذاكرة الجدات والأجداد في القرى والمدن اليمنية مليئة بصرخات مكتومة عن زمن الإمامة. قصص الجوع والسخرة والجلد التي لا نجدها في كتب التاريخ، باقية في صدور من عاشوها. واليوم، حين يحاول البعض إعادة تلميع ذلك الحكم المظلم، تعود هذه الحكايات لتصرخ: هذا هو التاريخ الذي لم تُدوّنه كتب المؤرخين.

ثوار يمنيون ضد الإمامة

كوابيس لا تُمحى

الحاج محمد عبده محسن، في التسعين من عمره، من مديرية جبل حبشي، يرفع جلبابه ليُري مراسل “يمن مونيتور” ندبة عميقة على ظهره. يقول: “جلدوني لأن أبي عجز عن دفع الزكاة. لم يكن والدي عاصيًا، بل كان فقيرًا فقط، والفقر يا ولدي لم يكن عذرًا عند الإمام”.

كانت السخرة إحدى أبشع وسائل الاستعباد، حيث يُساق الفلاحون لنقل المؤن والذخائر فوق أكتافهم مسافات طويلة للإمام وعساكره دون أجر. بعضهم عاد منهكًا، وآخرون لم يعودوا أبدًا. هكذا يروي الحاج محمد، مضيفًا: “أذكر رجلين من قريتنا ذهبا ولم يعودا ثانية. كنا نسمع من عساكر الإمام أنهما دُفنا في الطريق بأمر من الإمام نفسه، ولم يتجرأ أحد على المطالبة بديتهما أو حتى الترحم عليهما، خوفًا من التعرض للبطش”.

وتُصر الذاكرة الشعبية على أن الجوع كان سلاحًا سياسيًا. يختم الحاج محمد حديثه لـ “يمن مونيتور”: “كانت كل قرية تُظهر امتعاضًا من الحكم تُعاقب بمصادرة محاصيلها وقطع مواردها. عشنا زمنًا نأكل فيه الفتات، بينما قصور الأئمة في صنعاء وتعز مكتظة بالخزائن”.

السجن الأكبر

في قرية صغيرة على أطراف مديرية المواسط، يروي العم “قاسم سعيد” (74 عامًا) أن أباه اختفى ذات ليلة بعد أن انتقد جابي الزكاة. يقول: “لم نره بعدها. أنا ووالدتي وأخواتي الثلاث كنا نعلم أن عسكر الإمام أخذوه إلى صنعاء. فكرت مرارًا في الذهاب مع العسكر إلى قصر الإمام لاستعادة والدي، لكن الوالدة لم ترضَ عني وحذرتني أنه لا أحد يعود من هناك”.

 

كان الاعتقال والإخفاء سياسة ممنهجة. بحسب العم سعيد، لم يكن الناس يعرفون المحاكمات، كل ما كانوا يعرفونه فقط أن من يعارض الإمام لا يعود. حتى القصائد الشعبية والمهاجل التي تنتقد “الأشراف” كانت سببًا كافيًا لاقتحام البيوت وسحل الرجال أمام أطفالهم، حسبما يقول سعيد.

امتد الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية. يستحضر العم قاسم تلك الأيام لـ “يمن مونيتور”: “لا أحد يتحدث في السياسة، ولا أحد يرفع رأسه في حضور ‘العُكفَة’ (كلمة يمنية عامية تطلق على المشرفين التابعين للإمام). كان الجامع الكبير في صنعاء مسرحًا للمحاكمة، وكل من أراد أن يحاكم الإمام أو عساكره تنتهي محاكمته بالإعدام حتى لو كان على حق. لا أحد كان يجرؤ على إيقاف الباطل، خوفًا من القتل”. الهدف واحد لا سواه: ترسيخ فكرة أن الإمام هو “ظل الله” وأن من يعترض عليه كافر يستحق الموت.

ضحايا منسيّات

الجدة “فاطمة قاسم” من محافظة إب، تحكي بلغتها البسيطة: “تحمد النساء الله على نعمة هذه الأيام. يدرسن في المدرسة ويكملن الجامعة حتى لو كن متزوجات”. تسند الجدة يديها على ركبتيها، وتضيف لـ “يمن مونيتور”: “أيام زمان لم نكن نعرف القراءة ولا الكتابة. كنتُ أحلم أن أتعلم، لكنهم قالوا لي: ‘أنتِ بنت ومهارتك في الطبخ وخدمة زوجك فقط’. حتى الآباء كانوا يقولون إن التعليم هذا فتنة”.

هكذا كانت السردية والأيديولوجية العامة التي شحنتها الإمامة في عقول العامة. لم يكن التعليم مسموحًا للنساء، والزواج المبكر كان القاعدة. الفتيات في الثانية عشرة يُزففن لرجال يكبرونهن بعقود، وكثيرات مَتْنَ في الولادة بسبب غياب الطب والرعاية، حسب الجدة فاطمة.

الحاجة “زهرة علي نعمان” من مديرية المواسط بريف تعز، تروي هي الأخرى قصة أختها التي أُجبرت على خدمة عسكر الإمام الذين كانوا يزورون القرية بين الحين والآخر: “كانت تقدم لهم الماء والشاي، وكانوا قليلين حياء. كانوا أحيانًا يلمسون يدها بطريقة مهينة. لم نجرؤ على الكلام، وكنا نخاف أن نُجلب العار”.

هكذا كانت المرأة تحت حكم الإمامة: لم تكن مواطنة، بل خادمة بلا صوت. واليوم، محاولة تلميع تلك الحقبة تعني ببساطة إعادة اليمنية إلى سجن القرون الوسطى.

ميلاد الحرية

حين دوّت مدافع الثورة في 26 سبتمبر 1962، كان صداها مختلفًا في القرى. الحاجة “أم عبدالله” تبتسم وهي تتذكر تلك اللحظات: “خرجنا نغني ونزغرد. لم نكن مصدقين أن الإمام سقط، وكنا نشعر أن أبواب السماء قد انفتحت لنا”. وتضيف: “أول مرة في حياتي شعرتُ أننا أصبحنا نملك حريتنا، وأن لا أحد سيشاركنا فيها”.

الزغاريد ارتفعت في كل بيت. لأول مرة، صار للفلاحين أمل في أن يتعلم أبناؤهم. يقول الحاج “محمد عبده محسن” لـ “يمن مونيتور” إن الجمهورية واجهت حروبًا شرسة، لكن اللحظة الفارقة كانت في كسر عقدة “الطاعة العمياء”. فقد استقبل اليمنيون الثورة، بحسب الحاج محمد، كما يستقبل الغريق الهواء، وكما يستقبل السجين الفجر بعد ليل طويل.

المفارقة هنا هي أن هذا التاريخ يُغيّب عمدًا اليوم. المناهج الدراسية في مناطق الحوثيين تُلمّع صورة الأئمة، وتقدمهم كـ”قادة عدل وحكمة”. الإعلام التابع للجماعة يصف الجمهورية بـ”مرحلة الفوضى” في محاولة لقلب الحقائق.

وعن هذه المفارقة، يحذر الحاج محمد: “إذا لم نخبر أولادنا بما عشناه، سيصدقون كذبة الحوثي. انشروا كلامي هذا، فنحن نتحدث ونروي هذه القصص لنحميهم من العودة إلى السخرة”.

قد يطمس المنتصرون التاريخ الرسمي، لكن التاريخ الشفوي الذي تحمله ذاكرة الجدات والأجداد يظل شاهدًا لا يموت. فحكايات الجدات ليست مجرد كلام ماضٍ، بل شهادة إدانة لنظام استعبد الناس بالجهل والجوع والخوف. واليوم، مع محاولات إحياء الإمامة بوجه جديد، تصبح هذه الذاكرة سلاحًا لمواجهة التزييف.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى