افتـهان المشهري.. ثلاثون رصاصة ضد امرأةٍ واحدة.. وضد كل النساء!

أطلقوا عليها ثلاثين رصاصة بدمٍ بارد.
ثلاثون رصاصة كانت تُطارد امرأةً واحدة، امرأةً لا تُشبه الآخرين، امرأة لا تخشى الصعاب، ولا تهادن الفساد، ولا تساوم على قيمها ضد جرأتها، ضد نزاهتها، ضد ابتسامتها التي كانت تزرع الأمل في قلب كل امرأة تحلم بمستقبلٍ أفضل.
قتلوها لأنّها كانت على قدرٍ كبير من الشجاعة: شجاعة امرأة تقف في وجه شبكة فساد قذرة وتقول بملء فمها: “إيرادات النظافة للنظافة فقط، لا مكان للرشوة ولا للتواطؤ.”
لكن، ما الذي يجعلهم يقتلون امرأة لأنها تسعى لتحقيق العدالة في مدينة كتعز؟ لماذا يكون حلمها بسيطًا في الحفاظ على نظافة المدينة وتوفير حياة كريمة للعمال؟ لماذا يكون ثمن شجاعتها غاليًا إلى هذا الحد؟ الإجابة بسيطة، لكنها مريرة: لأنّها امرأة، لأنّها كسرت القواعد التي وضعها الفاسدون للنساء اللواتي “يجب” أن يسكتن، “يجب” أن يقبلن بأي شيء، و”يجب” أن يكنّ في الظلّ دائمًا.
القتل هنا لم يكن مجرد جريمة فردية؛ بل هو رسالة واضحة لكل امرأة تتجرأ على تحقيق إنجازٍ حقيقي في هذا البلد. كانت جريمة ضد النجاح، ضد طموح النساء، ضد الكفاءة التي لا تعرف جنسًا ولا حدودًا. كانت جريمة ضد فكرة أن المرأة يمكنها أن تكون قوية، أن تكون قيادية، أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا في المجتمع.
افتـهان المشهري لم تكن مجرد مديرة مكتب النظافة في تعز، كانت امرأة تقف على سطر التاريخ، محاولةً أن تعيد الكتابة وتقول: “نعم، للنساء مكان و قدرة للعمل العام، مكانٌ يتساوى مع الرجال في القيم، في الكفاءة، وفي النية الصافية.
لكنك تعرفون كيف تكون الحياة عندما تسعى النساء للإصلاح في بلدان متكلّسة بالعادات، والمصالح، والتقاليد الظالمة. يكسرونهنّ، يطاردونهنّ، ثم يقتلوهنّ، تمامًا كما حدث مع افتـهان. قتلوا روحها، لكنهم لم يقتلوا حلمها.
في البداية كانت التهديدات والابتزاز، فكل من رفض الانصياع لتلك العصابات المظلمة كان مصيره التصفية، وكان دمه ثمناً لتصحيح المسار. لكنها كانت تعلم ما يفعل الفساد بأرواح الناس، فقررت أن تقف وحيدة في وجه هذا الطوفان، لا تتراجع، ولا تساوم. كان حلمها ببساطة أن يكون هناك نظافة حقيقية في تعز، وأن يحصل كل عامل على حقه بكرامة، لكنهم، بالطبع لم يتركوا لها مجالًا لتحقيق حلمها.
جريمة اغتيالها لم تكن حادثة عابرة، بل كانت انتهاكًا لكرامة كل امرأة، وكانت رسالة مهينة لكل امرأة تحلم بتحقيق شيء في هذا البلد. كانت رسالة موجهة لنا جميعًا، كي نعرف إلى أي درجة نحن مهددون لمجرد كوننا نساءً في هذا المجتمع. كان هذا القتل نتيجة منطقية لثقافة قديمة تربت على إلغاء قيمة المرأة، على التعامل معها ككائن لا يملك الحق في اتخاذ قراراته أو أن يكون له صوت في التغيير.
لكن هنا تكمن الحقيقة التي لا يستطيع أحد نكرانها: إذا لم تقم هذه الجريمة على عين الحقيقة، وإذا لم تنفجر في وجوهنا جميعًا، فإننا جميعًا شركاء في إخفاء الفساد والظلم.
القتلة الذين ضغطوا على الزناد ليسوا مجرد منفّذين، هم جزء من منظومة متكاملة، شبكة فساد تتغذى على السكوت. والأهم من ذلك، هم يدركون تمامًا أن النساء، عندما يعتلين مناصب القيادة، فإنهنّ يغيرنّ قواعد اللعبة. وهنّ لا يقبلن أن يكون الفساد جزءًا من حياتهنّ اليومية.
اليوم، هناك من يحاول إقناعنا أن القضية تنتهي عند القبض على القاتل، لكن هذا سيكون بمثابة طمسٍ للحقيقة، وتضليلٍ للرأي العام. القاتل ليس مجرد فرد، بل هو منظومة كاملة، دولة تتقاعس عن حماية مواطنيها، ومنظومة فساد تبحث عن النوافذ لتمرير قذارتها عبرها.
ومن هنا، يجب أن نكون واضحين: لا نريد محاكمة القاتل فقط. نحن بحاجة إلى محاكمة للمنظومة التي سمحت لهذا الفساد أن يستشري في مفاصل الدولة، من أعلى إلى أسفل.
يجب أن تكون هذه الحادثة نقطة فارقة في تعاملنا مع النساء في العمل العام. يجب أن نبدأ بمراجعة ثقافة احترام النساء وتعزيز مكانهنّ في المجتمع، خاصة في المناصب القيادية، لأننا لا نعيش في عالم يضع الحدود على أحلامهنّ. إن احترام المرأة لا يبدأ فقط في الكلمات، بل يجب أن يكون في الأفعال. وإذا كانت الدولة تتغافل عن هذا الواقع، فإننا نحن، المجتمع المدني، يجب أن نكون الصوت الذي لا يسكت، الذي يرفض أن تمر هذه الجريمة مرور الكرام.
المرأة في العمل العام ليست عبئًا، بل هي مصدر قوة حقيقية.
قتل افتـهان لم يكن مجرد قتل لجسد، بل كان قتلًا لكل النساء الطامحات، لكل النساء اللواتي يحلمن بمستقبلٍ أفضل وأكثر عدالة. وبمقتلها، زرعوا فينا رغبة أقوى في الوقوف ضد كل من يحاول إلغاء صوتنا.
لهذا لن نقف بصمت فالجريمة ضد افتـهان المشهري يجب أن تفضح الفاسدون يجب أن يُحاسبوا، والمرأة يجب أن تجد مكانًا آمنًا ومكرمًا في المجتمع، في العمل العام، وفي كافة مجالات الحياة.
لروحكِ السلام يا افتهان، و معكِ نحيي حلم كل امرأة، ولن نتراجع عن المطالبة بالعدالة.




