أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

الريال اليمني يتعافى والأسعار ترفض الانخفاض.. لماذا يظل المواطن الخاسر الأكبر؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من محمد عبد القادر اليوسفي

في شوارع المدن اليمنية لم يعد المواطن يلتفت كثيرًا إلى شاشات الصرافة بقدر ما ينظر إلى أسعار الأرز والزيت والسكر، فالمفارقة باتت واضحة: الريال اليمني شهد تحسنًا ملحوظًا أمام العملات الأجنبية بنسبة تجاوزت 44% خلال الأسابيع الأخيرة، لكن أسعار المواد الغذائية الأساسية ما تزال مرتفعة ولم تهبط إلا بهامش ضئيل لم يتجاوز 20% في أفضل الحالات.

هذه الفجوة المقلقة أعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة متجددة حول العلاقة بين تحسن سعر الصرف وحركة السوق الداخلية، وحول الأسباب التي تجعل المواطن آخر المستفيدين من أي انفراج اقتصادي مهما بدا مبشرًا في الأرقام، في المقابل يجد البسطاء أنفسهم مضطرين لمواجهة واقع تتقاطع فيه المؤشرات الإيجابية مع الحقائق القاسية على الأرض.

فبينما يحتفي الخطاب الرسمي بعودة الريال إلى قوته النسبية لا يجد أحمد الكحلاني، الموظف الحكومي في تعز، فرقًا كبيرًا في فاتورة بقالته الشهرية: “صحيح الدولار نزل لكن كيس الأرز ما زال سعره ينهكنا”، يقول بحسرة، في شهادة تختصر المفارقة بين لغة الاقتصاد المجردة، وحياة الناس اليومية.

أسعار بلا استجابة

من الطبيعي أن يتوقع اليمنيون تراجعًا ملموسًا في أسعار السلع بعد التحسن الكبير في قيمة الريال اليمني أمام الدولار والريال السعودي ، لكن الأسواق بدت كأنها عصية على التغيير، فالتراجع اقتصر على بعض السلع بنسب محدودة، بينما بقيت سلع أخرى على حالها وكأنها لم تسمع بخبر “تعافي العملة”.

يؤكد باعة التجزئة في تعز لـ “يمن مونيتور”، أن الأمر لا يتعلق فقط بالتحسن اللحظي، بل بسلسلة طويلة من الاضطرابات التي جعلت السوق تتعامل مع أي خبر اقتصادي بحذر، التجار الذين خبروا سنوات من التذبذب الحاد في سعر الصرف، يترددون قبل اتخاذ أي خطوة لخفض الأسعار خشية أن يرتد الريال مجددًا إلى الهبوط.

في الأسواق الشعبية بمحافظة حضرموت، وعدن، وتعز، يلمس المستهلكون هذا الجمود بوضوح، الأرملة أم ناصر، التي تعيش على حوالة شهرية من ابنها المغترب في السعودية، تقول إنها لم تشعر بأي فارق كبير: “أنتظر الريال يتحسن عشان الأكل يرخص لكن الأسعار مثل ما هي”، تضيف بنبرة يائسة.

وقال المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية “فارس النجار”، إن المفارقة بين انخفاض أسعار السلع وانخفاض أسعار الصرف تعود إلى إجراءات متعاقبة أحدثت صدمة في السوق، ما جعل التحسن في الأسعار لا يواكب بنفس المستوى التحسن في قيمة العملة الوطنية. وأوضح أن سنوات طويلة من التذبذب خلقت حالة فقدان ثقة لدى التجار، وهو ما انعكس على سرعة تجاوبهم مع أي تحسن اقتصادي.

مع ذلك، يلفت النجار في تصريح خاص لـ “يمن مونيتور”، إلى أن مؤسسات الدولة بدورها لم تكن قادرة على التكيف السريع مع حجم هذه المتغيرات، ما زاد من بطء انعكاس المؤشرات الإيجابية على السوق، مؤكدًا أن الاستقرار الطويل الأمد في سعر الصرف هو الشرط الأساس لتصحيح هذه الفجوة.

ثقة مفقودة متراكمة

السنوات الماضية لم تكن عابرة في ذاكرة الاقتصاد اليمني، بل تركت أثرًا عميقًا على طريقة تفكير التجار والمستثمرين، فقد عاشوا حالة من الترقب الدائم بين صعود وهبوط جعلتهم لا يعولون على أي تحسن مهما بدا كبيرًا في الأرقام الرسمية.

التجار يتعاملون مع العملة كمن يتعامل مع نار لا يثق بأنها ستبقى مشتعلة أو مطفأة، لذا فهم يحجمون عن تخفيض الأسعار بسرعة، بل يفضلون الانتظار حتى يتأكدوا من استقرار التحسن، ما يضاعف أعباء المستهلكين.

النجار أشار في تصريحه إلى أن هذه “الثقة المفقودة” هي جوهر الأزمة، مبينًا أن إعادة بنائها تحتاج إلى وقت طويل يترافق مع إصلاحات اقتصادية مؤسسية مثل رفع كفاءة تحصيل الإيرادات وتحرير سوق المشتقات النفطية وإعادة تشغيل المصافي.

وفي الأحياء الفقيرة بتعز، يصف مواطنون شعورهم وكأنهم رهائن لهذا التردد: “العملة تتحسن لكننا لا نعرف متى نشعر بها في الخبز والزيت”، يقول المواطن عبد السلام وهو يقف في طابور أحد المخابز بالمدينة. شهادته تختصر كيف يعيش اليمنيون بين تفاؤل رسمي وحذر تجاري لا يرحم.

إن فقدان الثقة بالعملة الوطنية كما يرى اقتصاديون، هو الحاجز النفسي الأكبر أمام أي انعكاس مباشر للتحسن، ولن تُكسر هذه الحلقة إلا حين تتمكن الدولة من فرض استقرار طويل الأمد يغير قناعة السوق والمجتمع معًا.

فجوة تثقل المواطن

الفجوة بين سعر الصرف وأسعار السلع ليست مجرد أرقام على الورق، بل هي واقع يثقل كاهل ملايين الأسر اليمنية، فالمواطن البسيط لا يهمه كثيرًا مؤشر البنك المركزي بقدر ما يعنيه كم سيدفع مقابل كيس قمح أو علبة حليب.

أم أحمد في عدن، التي تعيل ثلاثة من احفادها، تؤكد أن راتب زوجها المتقاعد بالكاد يغطي ثلث الاحتياجات الشهرية، ومع ذلك لم ترَ سوى انخفاض طفيف في بعض الأسعار، لا يتناسب مع التحسن الكبير في قيمة الريال: “المشكلة أننا ندفع ثمن كل أزمة ولا نربح من أي انفراج”، تقول بمرارة.

تصريحات “فارس النجار” لـ “يمن مونيتور” عززت هذه الصورة حين أوضح أن أسعار بعض السلع الأساسية كالسكر والأرز بدأت بالانخفاض تدريجيًا لكنها لم تصل بعد إلى مستوى سعر الصرف الجديد، مشيرًا إلى وجود “فجوة بسيطة” في سلع أخرى، لكن هذه “البساطة” تبدو قاتلة بالنسبة للأسر الفقيرة التي تحسب قوتها بالريال والقرش.

التجار الكبار يبررون تأخرهم في خفض الأسعار بوجود مخزون قديم تم شراؤه بسعر صرف مرتفع، ما يجعلهم يتمسكون بالأسعار الحالية حتى لا يتكبدوا خسائر، لكن المستهلكين يعتبرون هذه الحجج استنزافًا متكررًا يفاقم معاناتهم.

وهذا يعني ان الفجوة ليست رقمية فحسب، بل إنسانية بامتياز، لأنها تعني بقاء الملايين تحت ضغط اقتصادي لا ينسجم مع المؤشرات التي تبثها نشرات الصرف الرسمية.

أفق الاستقرار

أمام هذه المعادلة الصعبة تتجه الأنظار إلى الحلول الممكنة لكسر الفجوة بين تحسن الصرف وجمود الأسعار، ويجمع خبراء الاقتصاد على أن الاستقرار ليس وليد قرار لحظي، بل هو ثمرة إصلاحات متراكمة ومتزامنة.

النجار أشار في ختام تصريحه إلى أن الإصلاحات المطلوبة تشمل توريد الإيرادات للبنك المركزي، وتحرير سوق المشتقات النفطية، وإعادة تشغيل مصفاتي عدن وحضرموت، إضافة إلى الحصول على دعم دولي لتغطية عجز الموازنة، وهي وصفة ثقيلة لكنها ضرورية لخلق أساس متين.

ويؤكد أن تحقق هذه الإصلاحات سيتيح للدولة دفع المرتبات المتأخرة منذ يونيو الماضي، وهو عامل حاسم في إعادة الثقة للدورة الاقتصادية، لأنه يعيد القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المجتمع.

على الأرض ينتظر المواطنون أن تتحول هذه الوعود إلى واقع، فكل يوم يمر دون انعكاس مباشر على الأسعار يعني مزيدًا من اليأس الشعبي وفقدان الثقة بأي خطاب رسمي.

الاستقرار المنشود إذًا ليس مجرد مسار اقتصادي، بل قضية إنسانية تمس حياة الناس اليومية، فالمعادلة لن تكتمل إلا حين يجد المواطن نفسه قادرًا على شراء ضرورياته دون أن يخشى الغد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى