كتابات خاصة

البحر الأحمر.. أولوية يمنية–إفريقية للأمن والتعاون

في ظلّ الصراعات المستمرة في اليمن منذ أكثر من عقد، يظل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات المائية في العالم، ونقطة التقاء للمصالح الإقليمية والدولية. هذا المضيق، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ثم بالمحيط الهندي، لا يقتصر دوره على كونه ممرًا للتجارة العالمية، بل يمثل شريانًا استراتيجيًا لأمن الطاقة العالمي وركيزة أساسية لاستقرار المنطقة.

إن التحديات المتزايدة في منطقة البحر الأحمر تستدعي من اليمن والدول الإفريقية المشاطئة وذات المصلحة المباشرة التفكير في صيغ تعاون عملية ومرنة، تراعي التعقيدات الراهنة وتضع أساسًا لشراكة استراتيجية مستقبلية.

وفي هذا الإطار، نظمت “مبادرة باب المندب للأمن القومي اليمني”، بالتعاون مع المركز الإفريقي للأبحاث والدراسات، ندوة افتراضية عبر تقنية “زووم” يوم 19 أغسطس الجاري بعنوان: “باب المندب والأمن الإقليمي: تحديات متصاعدة وفرص للتعاون اليمني–الإفريقي في ظل التحولات الدولية”. شارك فيها عدد من الباحثين من اليمن وإفريقيا، وتناولت عدة محاور، منها المحور الخامس: “التعاون اليمني–الإفريقي: بناء جسور الأمن والتنمية”، الذي كان لي شرف الحديث فيه.

اليمن بين الحرب والتدخلات الدولية

اليمن يعيش حالة استثنائية جعلت مؤسساته عاجزة عن إدارة مسؤولياتها الأمنية والعسكرية نتيجة الحرب وتداعياتها، إلى جانب التدخلات الدولية، وتحديدًا الأمريكية والبريطانية، التي حالت دون تمكن الحكومة المعترف بها دوليًا من فرض سيطرتها على محافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر، حينما فُرضت ضغوط لوقف العملية العسكرية التي كانت على أبواب المدينة، بذريعة تجنّب تدهور الوضع الإنساني.

ورغم توقيع “اتفاق استوكهولم” في ديسمبر 2018، الذي كان يفترض أن يؤدي إلى انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة، لم يتحقق الهدف المنشود. ومع مرور الوقت، وجدت واشنطن ولندن نفسيهما مضطرتين إلى تدخلات محدودة لوقف هجمات الحوثيين على الملاحة، لكن الحلول الجزئية لم تعالج الأزمة بشكل كامل.

هذا الواقع يجعل أي مقاربة أمنية تنتظر استقرار اليمن وحده غير مجدية، ذلك أن الأمن الإقليمي اليوم يفرض تعاونًا عاجلًا بين ضفتي البحر الأحمر، حتى لو اقتصر على الحد الأدنى: تبادل المعلومات، دعم لوجستي، أو تدريب مشترك، فهذه الخطوات الصغيرة تبني جسور الثقة وتضع الأساس لشراكة أوسع في المستقبل.

فرص التعاون قصير المدى

يمكن أن يتركز التعاون بين اليمن ودول القرب الإفريقي مثل جيبوتي، إريتريا، إثيوبيا، كينيا، والسودان على مستويين متكاملين:

  1. إدارة الأزمات البحرية المشتركة: تبادل المعلومات الاستخباراتية حول تحركات المتمردين، شبكات التهريب، والقرصنة، لتشكيل خط دفاع أول أمام أي تهديد محتمل.
  2. برامج التدريب وبناء القدرات: إرسال كوادر بحرية يمنية للتدريب في دول مثل كينيا، ما يسد الفجوة الحالية ويضع أساسًا لتعاون مستدام.

تعتبر كينيا دولة محورية في أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، رغم أن التمثيل الدبلوماسي اليمني هناك محدود حاليًا ويُدار عبر قائم بالأعمال. رفع مستوى التمثيل إلى سفير فوق العادة ومفوض سيكون رسالة سياسية قوية بأن اليمن لا يزال يملك الإرادة للعمل والتعاون، ويسعى لتطوير علاقاته الثنائية والإقليمية حتى في ظل الحرب والانقسام.

نحو شراكة استراتيجية طويلة الأمد

مع استعادة اليمن عافيته السياسية والأمنية، يمكن أن يتسع التعاون ليشمل:

توقيع اتفاقيات أمنية ثنائية ومتعددة الأطراف لتأمين البحر الأحمر وباب المندب بآليات إقليمية مستقلة.

تنفيذ مشاريع اقتصادية ولوجستية مشتركة، مثل ربط الموانئ اليمنية بنظيراتها في جيبوتي، إريتريا، السودان، وكينيا، وإنشاء مناطق تجارة حرة تعزز التنمية الاقتصادية وتحمي الأمن الإقليمي.

ضم اليمن إلى منظمات إفريقية معنية بالممرات البحرية مثل “إيغاد” (IGAD)، ما يعطي التعاون بعدًا مؤسسيًا طويل المدى، ويضع اليمن في قلب منظومة القرار الإقليمي، ويمنحه القدرة على التأثير في مستقبل البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

إن التعاون اليمني–الإفريقي ليس رفاهية سياسية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب، بل هو حاجة ملحّة اليوم، ومن شأن اتخاذ خطوات بسيطة مثل تبادل المعلومات، التدريب المشترك، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، أن تصنع جسور ثقة وتؤسس لشراكة أكبر في المستقبل.

استقرار باب المندب وأمن البحر الأحمر لا ينفصلان عن مستقبل اليمن، ولا عن مصالح إفريقيا والعالم. الاستثمار في التعاون اليوم هو استثمار في أمن الغد، وضمانة لبقاء هذا الشريان الحيوي بعيدًا عن أهوال الصراعات، وفتح أبواب لفرص اقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى