أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

تعافي الريال يطرح لغزا… لماذا ترفض أسعار المياه الانخفاض في تعز؟

يمن مونيتور/ من محمد عبدالقادر اليوسفي

شهد سعر صرف الريال اليمني في تعز والمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية تحسناً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، عقب إجراءات حكومية ومصرفية مكثفة استهدفت تنظيم السوق السوداء والحد من المضاربات التي أدت لانهيار العملة.

وأدى هذا التعافي في سعر الصرف إلى موجة من التفاؤل بين المواطنين، الذين توقعوا أن تنعكس هذه التطورات إيجابياً على أسعار السلع والخدمات الأساسية، لا سيما المياه التي تعتبر من أهم ضروريات الحياة اليومية.

وبالرغم من الانخفاض الملحوظ في سعر صرف الريال السعودي مقابل الريال اليمني حيث بلغ نحو 42 ألف ريال يمني مقابل 100 ريال سعودي، مقارنة بأكثر من 77 ألف ريال سابقاً، إلا أن أسعار المياه في تعز لم تشهد أي انخفاض يذكر، بل سجلت أحياناً ارتفاعات طفيفة، مما أثقل كاهل الأسر الفقيرة والمتوسطة.

وترجع الأزمة في أسعار المياه إلى عوامل عدة، منها استمرار الحصار المفروض على المدينة والسيطرة الحوثية على معظم آبار المياه التي تغذي تعز، علاوة على اتهامات متزايدة بالاحتكار والتلاعب من قبل بعض التجار، وغياب الرقابة الفعالة التي كان من المفترض أن تحمي هذه السلعة الحيوية من الاستغلال.

وأفادت تقارير محلية بأن الحملات الرقابية الحكومية بعد تحسن العملة أسفرت عن ضبط مخالفين في سوق المواد الغذائية، مما ساهم في انخفاض أسعار بعض السلع الأساسية مثل الدقيق والزيوت، إلا أن قطاع المياه بقي بعيداً عن هذا التأثير.

ويؤكد المتابعون أن استمرار ثبات أسعار المياه رغم تحسن مؤشر العملة يعكس خللاً في آليات الرقابة والتنظيم، ويزيد من معاناة السكان الذين يواجهون أزمة متفاقمة في توفير هذه الخدمة الضرورية وسط ظروف معيشية صعبة.

المواطن عميد المهيوبي من تعز يشرح الوضع لـ “يمن مونيتور” قائلاً: “قبل تراجع أسعار العملة كنت أصرف 100 ريال سعودي بسعر 77 ألف ريال يمني، وأشتري 2,500 لتر ماء بـ61 ألف ريال، أما اليوم بعد أن انخفض سعر الصرف ووصلت قيمة الـ100 ريال سعودي إلى نحو 42 ألف ريال فقط، ما زلت أشتري نفس كمية المياه بنفس السعر القديم، أي بـ61 ألف ريال”.

يضيف: “الفارق كبير وبدل أن أستفيد من تحسن العملة، أصبحت مضطرًا لإدخار كل ما أملكه من أجل توفير ثمن الماء، هذه مفارقة مؤلمة ومهزلة حقيقية”.

هذه الشهادة تمثل حقيقة صادمة تعكس مدى غياب الربط المنطقي بين تحسن العملة وانخفاض أسعار السلع الحيوية، خصوصاً في قطاع المياه.

أسعار الماء ثابتة

في حي وادي السلامي غرب مدينة تعز، تنتظر السيدة فاطمة (43عام) بصبر مرهق وصول صهريج المياه الذي أصبح سلعة نادرة. تقول: “دفعت 40 ألف ريال لتعبئة خزان منزلنا الذي لا يتجاوز ألفي لتر، وهو ثلثي راتب زوجي الشهري، صرنا ننفق على الماء ضعف ما ننفقه على الطعام، ولكن حتى هذه السلعة صارت سرابًا نطارده كل يوم”.

هذه المعاناة تتكرر في أحياء عدة، حيث وصل سعر الوايت سعة 3000 لتر إلى 60 ألف ريال، ما يعني أن الأسر تدفع ضعف أو أكثر مما كانت تدفعه سابقاً، بالرغم من انخفاض سعر صرف الريال السعودي إلى أكثر من النصف.

تفكير المخلافي إحدى سكان المدينة، تشير إلى أن الأزمة تفاقمت بشكل اكبر، حيث أن 5 آلاف لتر من المياه تكلف الآن 70 ألف ريال، اي ما يعادل 160 ريال سعودي، بعد أن كانت تكلفها نفس القيمة مايعادل 90 ريال سعودي، قبل عدة أسابيع

“المطر صار شحيحًا، وكنا سابقًا نعاني من ندرة المياه، لكن بعد تدخل حملات رقابة محدودة في الاسابيع الماضية، توفرت المياه بشكل نسبي، الا اننا بقينا نعاني من ارتفاع تكلفتها التي بلغت 60 الف ريال للوائت ماء كوثر(سعة 3000 لتر)” تقول تفكير.

مضيفة “الان بعد انخفاض الصرف، وانعكساته بشكل ايجابي على بعض المواد الغذائية، كنا ننتظر ان تنخفض اسعار الماء، لكن للأسف الماء بقي بنفس القيمة، ونحن نعيش على حوالات اخي المغترب في السعودية، ونصف المصروف الذي يرسله لنا نشتري فيبه ماء، يعني اصبحنا نعاني من ازمة مياه مركبة من حيث السعر والصرف وهذا يجعل الحياة اليومية جحيمًا حقيقيًا”.

محمد السروري، مواطن من حي النسيرية يصف الوضع لـ “يمن مونيتور” بأنه “حصار مائي متعمد”، حيث أن سكان تعز يعيشون تحت سطوة سماسرة الصهاريج الذين يتحكمون في الأسعار والتوزيع، بينما الجهات الرسمية تتجاهل معناتهم حيال سعر صهاريج المياه، خاصة بعد انخفاض سعر الصرف للعملات الاجنبيه مقابل الريال اليمني.

مدارس ومراكز صحية عديدة في المدينة تواجه تحديات كبيرة بسبب ارتفاع اسعار المياه رغم توفره بشكل افضل من السابق، حيث أبلغ مدير مدرسة النجاح أن التلاميذ كانو يغيبون لأيام بسبب أمراض مرتبطة بنقص المياه النظيفة، مضيفاً: “كيف سنفعل الان عند بدئ الدراسة في الايام المقبلة وقد اصبح الحصول على المياة، معاناة مركبة”.

هذه الحالة تعكس واقعاً مأساوياً أُجبرت الناس على الاختيار بين الماء وادخار كلفة الغذاء، وسط غياب أي تدخل فعلي من مؤسسات المياه أو الجهات الحكومية المختصة لضبط اسعار هذا العنصر الاساسي في حياة الإنسان.

من يحتكر الماء

تتحكم في سوق المياه بتعز شبكات احتكارية من ملاك آبار خاصة ووكلاء توزيع، وكذلك سماسرة صهاريج، حيث يمارسون تأثيراً كبيراً على الأسعار والتوفر.

وبحسب تقرير حديث أصدره البنك الدولي، حول قطاع المياه في اليمن، فإن الاحتكار لا يقتصر على التوزيع، بل قد يبدأ عند من يملك رأس البئر أو آبار المياه التجارية، ما يجعل السوق عرضة للتحكم من قبل مجموعات ضيقة تقود الأسعار.

ويضيف التقرير أن هذه الشبكات تحتكر مصادر المياه وتحولها إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، خصوصاً في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة أو خروقات أمنية، كما هو الحال في تعز التي تحاصرها مليشيات الحوثي وتسيطر على معظم الآبار الرئيسية.

وطبقًا لشهادات ميدانية متعددة جمعها “يمن مونيتور” أكدت وجود حواجز أمنية ومنع وصول صهاريج المياه إلى بعض الأحياء، مما يزيد من التكلفة على المستهلكين.

احمد صادق، عامل بأجر يومي وأب لأطفلتين وولد، يقول: “اشتغل طول اليوم بمبلغ رمزي يصل الى 8000 ريال، اكثر من نصف اجرتي اليومية اشتري فيها ماء”.

هذه الممارسات الاحتكارية في تثبيت سعر الماء كما كان سابقًا، في ظل تحسن قيمة الريال اليمني، وفي وقت تشهد فيه الاسواق انخفاض يصل الى 50% من قيمة المواد الغذائية الاساسية، تؤدي إلى تفاقم الأزمة وتجعل الحصول على المياه معاناة اخرى تضاف الى المشهد المأساوي، إذ أن التكاليف المرتفعة وفارق الصرف تضاف مباشرة إلى كاهل المواطن، كما أكدت منظمات حقوق الإنسان في تقاريرها التي وثقت حالات استغلال السوق السوداء للمياه كسلعة نادرة.

غياب الرقابة الفعلية

رغم صدور قوائم رسمية بأسعار المياه، ضعفت الرقابة الفعلية بشكل ملحوض على تنفيذ هذه الأسعار، خاصة في المناطق الخاضعة لتأثيرات سياسية وأمنية معقدة، وبحسب مصادر محلية في مؤسسة المياه بتعز، رفضت الكشف عن هويتها، فإن انقطاع الكهرباء المستمر ونقص التمويل يعيقان قدرة المؤسسة على إدارة توزيع المياه بشكل فعال.

بالإضافة إلى ذلك، حملات الرقابة التي انطلقت بعد تحسن سعر الصرف ركزت في المقام الأول على مراقبة أسعار المواد الغذائية الأساسية التي تحمل أوزاراً سياسية واجتماعية كبيرة، مثل الدقيق والزيوت والمعلبات، بينما تُركت أزمة المياه في طي النسيان، ما عزز من استمرارية الفساد والاحتكار.

ويشير مراقبون محليون لـ “يمن مونيتور” إلى أن بعض محطات التعبئة الخاصة اصبحت لا تلتزم بشفافية الأسعار بعد تحسن قيمة العملة المحلية، وقد لوحظ انسحاب بعض الموزعين أو محاولة التهرب من لجان التفتيش، وهو ما يؤكد ضعف الرقابة وانتشار الممارسات غير القانونية.

دعوات للمساءلة والمحاسبة

ويحث ناشطون في تعز عبر منشورات لهم في منصة فيسبوك، على ضرورة تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في تسلسل توزيع المياه وإعادة النظر في أسعارها، ووضع جداول سعرية جديدة تتماشى مع سعر الصرف الحالي للعملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، مع نشر بيانات أداء محطات التعبئة والصهاريج بشكل دوري وشفاف.

المهندس ماجد سعيد، منسق مشاريع المياه في احد منظمات المجتمع المدني، يقول في حديثه لـ”يمن مونيتور”: “المشكلة بنيوية والاعتماد على الصهاريج خلق سوقًا سوداء يهيمن عليها المتنفذون، بينما المواطن يدفع ثمن الفساد وضعف الرقابة في الاونة الأخيرة”.

ويوجه مواطنون محليون دعوات عبر منصة “يمن مونيتور” لموسسة المياة، والسلطة المحلية، والجهات المختصة، الى خفض اسعار المياه، كبقية السلع التي تم اعادة النظر في قيمتها بعد تحسن الريال، حيث لم يعد الوضع يحتمل، حد تعبيرهم.

المواطن هشام عبدالرحمن، في حديثه مع يمن مونيتور، وجهة مناشدة خاصة للمجتمع الدولي ومنظمات الإغاثة لدعم مشاريع انتقالية سريعة كتوزيع خزانات منزلية للأسر الأكثر هشاشة، وضمان تزويد المدارس والمستشفيات بمياه آمنة، إلى جانب برامج رقابة مجتمعية تشارك السكان في ضبط الأسعار تماشيًا مع قيمة العملة المحلية بجانب العملات الصعبة، وكشف المخالفات.

إن استمرار ثبات أسعار المياه على الرغم من تحسن العملة يعكس أزمة أعمق في السوق المحلية، تتطلب تحركاً عاجلاً وميدانيًا من الجهات الحكومية والمجتمع المدني والدولي، لضمان أن يعود الماء إلى أهله كحق أساسي لا سلعة مضاربة، ولتحقيق الكرامة والعيش الكريم للملايين الذين يعانون في صمت.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى