آراء ومواقف

ارتياب المعوقين… سلاح الشيطان في تعطيل فاعلية الإنسان

مجيب الحميدي

في زمن تتكاثف فيه الأزمات، وتشتد الحاجة إلى المبادرات الإيجابية، واستنهاض طاقات الأفراد والمجتمع، والاستفادة المثلى  من كل فرص التعاون الممكنة على المستوى الإقليمي والدولي؛ نجد أن ثمة معوقات داخلية يزيد تأثيرها عن تأثير التحدي الخارجي.    ومن أخطر تلك العوائق: ارتياب المعوقين، الذي يتسلّل باسم الحذر، ويتزيّن بلبوس الفطنة، لكنه في جوهره سلاح شيطاني يُعطّل فاعلية الإنسان ويُفرّغ العمل من روحه.

فاعلية الإنسان هي قدرته على أن يكون مؤثرًا، مبادرًا، نافعًا لنفسه ولمجتمعه، محقّقًا لرسالته في عمارة الأرض.

لكن حين يُصاب هذا الإنسان بداء الارتياب يتحول إلى عائق تعطيل يترصد كل مباردة إيجابية ويحللها بنظارة الارتياب.

في ظل هذه الحالة الارتيابية يترصّد المرتابون كل مشروع لإطعام الجائعين، ويبحثون عن المؤامرات حتى في مكونات الزيت والطحين.

قد يبدأ الارتياب عندهم بسؤال، ثم يتحوّل إلى وسواس، وينتهي بتعطيل المبادرة… بل بجريمة قتل، كما حدث في بعض الوقائع، لا على سبيل الافتراض.

يُشكّكون في كل مبادرة لنصرة مكونات اجتماعية مستضعفة، أو تعزيز ثقافة التعايش والمواطنة، ويتوهّمون أنها فخّ خفيّ لصناعة أقليات تُستورد من عالم الخيال لضرب الإسلام.

لكن الخطر الأعظم ليس في الريبة الخافتة التي تراود فردًا، بل حين يتبنّى هذا الارتياب بعض المؤثرين والمشهورين؛ فيتحوّل الخطاب الارتيابي إلى عدوى مجتمعية مدمّرة، تُنتج سلسلة من المنكرات المتناسلة:

من الزور والبهتان، إلى الاستطالة على الأعراض، إلى تحطيم الجسور بين الناس، وصولًا إلى فتنة سفك الدماء، حين يُضخَّم الوهم، وتتعاظم مشاعر الريبة، وتتحول إلى وثبة آثمة. وحين يقع الفأس في الرأس، يتبرّأ صنّاع الريبة مما صنعت ألسنتهم، ويتقمصون خطاب التعيس إبليس.

فهل تحدث القرآن عن هذا النمط من الناس؟

نعم… بل رسم لهم ملامح واضحة. فلنستعرض أبرز خصائص المرتابين في ضوء كتاب الله لنلتمس منه الهداية للتي هي أقوم::

خصائص المرتابين في القرآن الكريم

  1. – المرتاب صياد للأخطاء متربص بالخطايا:

يتخذ المرتاب وضعية التربص دائمًا، يبحث عن كل هفوة، ويتتبع كل زلّة لسان أو سهو قلم. بل قد يضطر للتجسس أو توظيف من يتجسس له ويفتش حتى  في المسودات الملغية، وإن لم يجد خطأً صنعه في خياله.

قال تعالى:

﴿وتربّصتم وارتبتم﴾  [الحديد: 14]

  1. يعطّلون عقولهم، ويضلّون أنفسهم

الارتياب يحجبهم عن الحق حتى لو كان واضحًا، فيتيهون في ظنونهم حتى يًضلّوا ويُضلّوا. فالمرتاب أعجز الناس عن التوصل إلى الحقيقة، والارتياب المَرَضي يعطّل آليات التفكير السليم. والمصاب به لا يصل إلى الحق، ومن أضل نفسه كتب الله عليه الضلال.

﴿كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾

[غافر: 34]

﴿وإنّا لفي شكٍّ مما تدعوننا إليه مريب﴾

[هود: 62]
  1. متردّدون في الخير، أسرى هواجسهم

المرتاب لا يُحسن اتخاذ قرار نافع، يرى في كل حركة خطرًا، وفي كل مبادرة خديعة. فهو مكبل بارتيابه وتردده  في كل شيء فخلف كل شيء خطر يتوجس منه

﴿وارتابت قلوبهم، فهم في ريبهم يتردّدون﴾

[التوبة: 45]
  1. محرومون من الطمأنينة، غارقون في التوتّر:

لا يعرفون السكينة لأنهم أقاموا بنيانهم النفسي على الشك والأوهام. ولا يشعر المرتاب بالفرحة إلا بالفرحة الغامرة العابرة  لحظة اكتشافه لريبة جديدة” اذا رأوا ريبةً طاروا بها فرحًا” وما تلبث هذه الفرحة المؤقتة بالريبة إلا وتحولت إلى مصدر توتر إلا أن تتًقطع قلوبهم بالحسرة ولا سيما  إذا وجدوا أن الناس لم يصدقوها.

﴿لا يزال بنيانهم الذي بنَوا ريبةً في قلوبهم إلا أن تقطّع قلوبهم﴾

[التوبة: 110]
  1. منّاعون للخير، مشوّهون للحق

لا يُطيقون رؤية مبادرة نقية إلا شوهوا وجهها، ونشروا حولها ظنونهم. ويرى المرتاب في كل مبادرة إيجابية تهديدًا، ويتصدّى لها بكل طاقته الارتيابية.   يشوّه، يُشكك، يُحرّض… وربما يدفع إلى القتل – مباشرة أو بتحريض غير مباشر.

﴿منّاعٍ للخير معتدٍ مريب﴾

[القلم: 12]

﴿إذاً لارتاب المبطلون﴾

[العنكبوت: 48]

وفي “لسان العرب”، يُقال: “أبطل الشيء” أي ألغاه، جعل أثره صفرًا. وهذه هي وظيفة المرتاب الأساسية. يقتل الأمل، ويشلّ الفعل، ويفرغ الخير من مضمونه، ويعسى لإيقاف كل مبادرة وهو يظن أنه يحسن صنعا.

حين يتحوّل الارتياب إلى مشروع هدم خفي

الارتياب ليس مجرد شك حكيم  يدعو التحقق بل أن المرتاب يرفض التحقق بشدة، ويصر على وجود الريبة و يُشوّه النيات، ويُطفئ الحماس، ويُجمّد الإصلاح. وحين يستقر في الوعي، يُصبح سلاحًا بيد الشيطان لتعطيل الإنسان، ونشر العداوة باسم الفطنة.

إننا لا نُدين المرتابين بأشخاصهم، بل نُدين الارتياب كفكرة وسلوك وبيئة، يجب تفكيكها وتحذير الناس منها.

ما الذي نخسره بحضور الريبة  المًعطٍلة وتغييب الشك الحكيم؟

لكن، في المقابل، لا يعني رفضنا للارتياب أننا نُقصي الارتياب الرشيد او الشكّ الحكيم أو نحذّر من التثبّت الناقد؛

بل إن غياب ذلك الشكّ الواعي أتاح للمريبين أن يحتكروا الخطاب الناقد، فأُغلقت الأبواب أمام تحقيقات كان يمكن أن تكشف فسادًا مستترًا بثوب العمل الإنساني، أو تُصحّح أخطاء في بعض المبادرات، دون أن تُجهز على أصل المبادرة ولا تنسف جهود الإصلاح.

فالشكّ الحكيم يُسلّط الضوء على العطب، ليُبقي على الإنجاز وينمّيه،

أما الارتياب الأثيم، فيُطفئ النور كله، ليحكم على كل عمل بالهدم والتشكيك.

والخلاصة:

أن الارتياب يعطّل فاعلية الإنسان، ويعرقل نهضة الأوطان، ويحقّق إرادة الشيطان في زراعة البغضاء والعداوة،

كما قال تعالى:

﴿إنما يريد الشيطان أن يُوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾

[المائدة: 91]

وما لم نميّز بين الشك الراشد والارتياب الفاسد، فإن ارتيابات المبطلين سيعمل على تفاقم ثقافة الكراهية ويبطل كل مشاريع الخير والمبادرات الإيجابية.

اللهم طهّر قلوبنا من الوساوس الخناس، وألهمنا التمييز بين التحقق من أجل التغيير  وبين التربص من أجل التشهير ، و بين الشك الحكيم والارتياب الأثيم.

 

المقال نقلاً من صفحة الكاتب على فيسبوك 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى