نزيف الطفولة يتواصل في اليمن بلا حسيب! (تقرير خاص)
يمن مونيتور/ إفتخار عبده
بعد مضي عقد من الزمن على الحرب الدائرة، لا تزال الطفولة في اليمن تنزف باستمرار، ولا زالت أرواح الأبرياء منهم تحلِّق في السماء بين حين وآخر؛ نتيجة التعرض للقتل عن طريق الألغام المزروعة، أو المتفجرات والمقذوفات غير المنفجرة من مخلفات الحرب.
الآلاف من أطفال اليمن قتلوا خلال هذه السنوات نتيجة الألغام والمتفجرات وعن طريق القتل المباشر إما بالقنص أو الزج بالأطفال القصر إلى جبهات القتال واستخدامهم دروعا بشرية، كما تفعل ذلك باستمرار مليشيا الحوثي، التي تجند آلاف الأطفال- إجباريًا- للزج بهم إلى محارق الموت.
وبالأمس القريب وتحديدًا، يوم الأحد/ الموافق/ 13 يوليو، قُتل خمسة أطفالٍ أعمارهم تتراوح ما بين الـ12 والـ 14 عام بانفجار مقذوف حربي في منطقة” الهشمة” بمديرية التعزية، شمال شرق محافظة تعز.
وتضاربت الروايات عمَّن المتسبب بهذه الحادثة الأليمة فقد اتهمت مليشيا الحوثي القوات الحكومية بذلك فيما حملت “قيادة محور تعز” مليشيا الحوثي كامل المسؤولية عن الحادث؛ بسبب تركها لمخلفات الحرب وسط الأحياء السكنية.
وفي بيان لها، قالت” منظمة إنقاذ الطفولة”، إن 40 طفلًا في اليمن قُتلوا منذ بداية العام الجاري، نتيجة انفجارات ناجمة عن ألغام أرضية وذخائر غير منفجرة، في ظل استمرار النزاع المسلح وتفاقم مخاطره على المدنيين، مؤكدة أن” اليمن لا يزال من أكثر بلدان العالم تلوثًا بالألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة، والأطفال هم من يدفعون الثمن”.
ولفت البيان إلى مقتل وإصابة 107 مدنيين إثر انفجار مقذوف حربي خلال النصف الأول من العام، فيما سجّل العام المنصرم مقتل 260 مدنيًا، أغلبهم من الأطفال.
غياب الدعم المقدم في مواجهة الألغام
ويستمر نزيف الطفولة في الوقت الذي تعاني فيه اليمن من انعدام البرامج وانعدام تمويل البرامج في المؤسسات التي تعمل على نزع الألغام ومعالجة آثارها النفسية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة على ذلك.
بهذا الشأن يقول أحمد القرشي” رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة” زراعة الألغام المضادة للأفراد وبقايا المتفجرات، والأسلحة غير المنفجرة في اليمن، تمثل مشكلة كبيرة وخطيرة على أطفال ونساء اليمن والمدنيين بشكل عام لعقود قادمة”.
وأضاف القرشي لـ”يمن مونيتور” زرعت جماعة الحوثي مساحات شاسعة في اليمن بالألغام، والكثير من هذه الألغام غير مقدور على اكتشافها من قبل فرق نزع الألغام، وتتضاعف المشكلة في الوقت الذي تراجع فيه دور المؤسسات المعنية بنزع الألغام بشكل كبير؛ إذ لم يتبق- تقريبا- سوى المشروع السعودي” مسام”.
وبحسب القرشي فإن” بقية المؤسسات تقلص دورها وتوقفت نشاطاتها، ومنها منظمة سياج لحماية الطفولة؛ بسبب انعدام الدعم المقدم في مواجهة الألغام وآثارها على المدنيين وخاصة الأطفال والنساء”.
ومضى قائلًا” نحن نواجه مشكلة مركبة تتمثل بزراعة الألغام الفردية في الكثافة السكانية وفي انعدام البرامج وانعدام تمويل البرامج التي تعمل على نزع الألغام ومعالجة آثارها النفسية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة على هذه الألغام التي تنفجر في الأطفال من وقت لآخر هناك آلاف الأطفال قتلوا أو أصيبوا خلال العشر السنوات الماضية”.
وتابع” للأسف الشديد، نسبة التدخلات التي من شأنها الحد من هذه المشكلة لا زالت متدنية جدا مقارنة بحجم الاحتياج وعدد المتضررين وما يحتاجون من تدخل سواء في جانب التطبيب أو الحصول على الأطراف الصناعية أو الدعم النفسي والاجتماعي، أو الدعم الاقتصادي أو التأهيل المهني والتدريب الفني لكي يكونوا قادرين على إعالة الأطفال وعلى مواصلة حياتهم بشكل جيد”.
ولفت إلى أن” المجتمع بحاجة إلى توعية بكيفية التعامل مع الألغام والتعامل مع ضحايا الألغام وخاصة الأطفال لأن هناك وصمة تلحق الكثير من الضحايا ممن يسمون بالأعرج والأعور والأبتر، وهذه المسميات تنعكس سلبا على نفسيات الضحايا وشخصياتهم وعلى موقعهم ومركزهم الاجتماعي للأسف الشديد”.
واقع الطفولة في اليمن أسوأ مما ترصده المنظمات
في السياق ذاته يقول الناشط الحقوقي والمجتمعي، محمد العامري” لا تزال الطفولة في اليمن تنزف ولا يزال الموت يتسلل إلى أحلام الأطفال بصمت شديد لا يسمعه أحد؛ بل يتظاهر الجميع بعدم سماعه”.
وأضاف العامري لـ” يمن مونيتور” قبل أيام فقط قُتل خمسة أطفال دفعة واحدة في إحدى القرى التابعة لمديرية التعزية بمحافظة تعز إثر سقوط مقذوف حربي لم يُعرف مصدره بدقة، في بلدٍ يَجيد فيه الجميع الاتهام وينكر الجميع المسؤولية تبقى الحقيقة الوحيدة هي أن دم الأطفال يسفك دون حسيب”.
وأردف” الروايات في مقتل الأطفال الخمسة تضاربت كالمعتاد بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي كلٌّ منهما يُلقي بالمسؤولية على الآخر والنتيجة النهائية، عائلات مكلومة وأمهات يحملن أكفان أطفالهن بدلاً من ألعابهم”.
آلاف المآسي لا تصل إلى تقارير المنظمات
وأشار إلى أنه” هناك إحصائيات مروعة؛ بلا صدى، فمنظمة إنقاذ الطفولة أعلنت أن 40 طفلًا قُتلوا منذ مطلع العام الجاري، 2025م فقط نتيجة انفجارات ناجمة عن ألغام أرضية وذخائر غير متفجرة لكن الحقيقة أن هذا الرقم لا يُعبّر عن كل الواقع فهناك آلاف القصص التي لم تصل إلى تقارير المنظمات؛ لأن أهلها لا يمتلكون الإنترنت ولا الوقت لكتابة البلاغات، بل يدفنون أبناءهم ثم يصمتون خوفًا أو يأسًا”.
وبحسرة تساءل العامري” عقد كامل من الحرب، ما الذي تبقى للطفولة…؟ جيل كامل نشأ في ظل أصوات المدافع بدلًا من الأناشيد،
مدارس دُمرت أو تحوّلت إلى ثكنات عسكرية أو ملاجئ، أطفال حُرموا من التعليم فدخلوا سوق العمل أو ميادين القتال، طفلات تزُفّ في سن العاشرة إلى زواج قسري لا يعرف الطفولة”.
ومضى قائلًا” وضع نفسي متردٍ جيش من الأطفال يعاني من اضطرابات ما بعد الصدمة دون أي دعم نفسي أو علاج، هذا الواقع ليس مجرد سرد درامي، بل هو حقيقة يعيشها أكثر من 11 مليون طفل يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة”.
وتابع” أوجه رسالته إلى السياسيين، لقد خذلتمونا بما فيه الكفاية، وإلى الضمائر الحية، وإلى كل من تبقّى فيه شيء من الإنسانية، وإلى وسائل الإعلام بألا تجعلوا أخبار الأطفال هامشًا بين السياسة والاقتصاد”.
وواصل” إلى المنظمات الدولية، لسنا بحاجة لتقارير؛ بل لحماية حقيقية وبرامج طويلة الأمد تعيد الطفولة إلى الطفولة، وإلى كل أم وأب، لا تيأسوا واصنعوا الفارق داخل بيوتكم بالحب والتعليم ولو بأبسط الأدوات”.
واختتم” رسالتي إلى المجتمع الدولي، إن صمتكم لا يقل جرمًا عن قذائف القتلة، وإلى كل طرف يرفع بندقيته، أن خفضوا أصواتكم قليلاً، دعوا الأطفال يتنفسون دعوهم يلعبون دون خوف، ففي اليمن الطفل لا يسأل من المسؤول، هو فقط يتلقى القذيفة ويغادر الحياة بصمت”.
طفولةٌ ذاقت الكثير من الويلات
من جهته يقول الإعلامي أحمد الحرازي” الطفولة في اليمن ذاقت الكثير من الويلات منذ بداية الحرب، من المواجع، والفواجع المتكررة والموت الذي يقتطف براءتهم بكل حين، سواء عن طريق القتل المباشر بالرصاص الحي، أو عن طريق القتل بالألغام المزروعة أو مخلفات الحرب من المقذوفات بأنواعها”.
وأضاف الحرازي لـ” يمن مونيتور” ليس القتل وحده ما يعانيه أطفال اليمن، فهناك الكثير من المعاناة التي يتكبدها الأطفال الذين ما يزالون على قيد الحياة؛ نتيجة الفقر الشديد الذي تعاني منه أسرهم، الأمر الذي يضطرهم لخوض معارك قاسية مع الحياة وظروف المعيشة فيلجؤون إلى ممارسة أعمال تفوق قدراتهم بمئات المرات”.
وأردف” الكثير من الأطفال اليوم من يمتهنون مهنةَ التسول في الشوارع العامة، وما يلاقيه أطفال الشوارع من أنواع الابتزاز والتحرشات الجنسية التي قد تدمر نفسياتهم وتهدم حياتهم، ناهيك عن تعرضهم للعنف الجسدي من الضرب المبرح الذي يتلقونه بلا سبب يذكر”.
وأشار إلى أنه” بين الفينة والأخرى نسمع عن قتل وتعذيب الأطفال خاصة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، أو الرمي بهم من أعالي الجبال نتيجة الجوع المحيط بالأسر التي أصبحت عاجزة تماما عن توفير لقمة العيش لأطفالها”.
ووجه الحرازي رسالته إلى أولياء الأمور بأن يتقوا الله في أطفالهم وألا يجعلونهم سلعةً يكسبون من ورائها الأموال دون مراعاة سنهم فلا يشقوا عليهم ويكلفوهم فوق طاقاتهم، كما هي موجهة إلى من تولوا قيادة الدولة؛ فلا بد من أن يكون للحكومة دور بارز بالاهتمام بالطفولة، والاهتمام بدخل أرباب الأسر بما يجعل الأسر تعيش بكرامة ولا تضطر للزج بفلذات أكبادها إلى المهالك”.



