أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

العدالة الانتقالية والمصالحة في اليمن.. دراسة ميدانية تسلط الضوء على واقع وتطلعات المجتمع

يمن مونيتور/ أعدته افتخار عبده

بعد مضي عقد من الزمن على الصراع الدائر في اليمن، برزت مفاهيم العدالة الانتقالية بشكل لافت، وتم تناولها من قبل الفاعلين المدنيين والحقوقيين، كسبيل أنسب لمنع استمرار حلقات العنف، ومن أجل إحلال السلام المنشود.

ومؤخرًا تعددت المبادرات والدراسات والكتابات، التي تناولت موضوع العدالة الانتقالية في اليمن، في الوقت الذي برزت فيه الكثير من الفعاليات في هذا الجانب والتي تناولت التحدّيات التي تواجه مسار العدالة الانتقالية في اليمن، كالتحدّيات البنيوية، والفرص السياسية، والاجتماعية، والمؤسسية.

في السياق، برزت دراسةٌ جديدةٌ تحت عنوان “الطريقُ نحو السلام” والتي تناولت- بدورها – رؤية المجتمع المحلّي بشأن إمكانية وآليات تنفيذ العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، دعمًا للسلام في اليمن.

هذه الدراسة أعدّها كلٌّ من: رابطة أمهات المختطفين، ومنظمة سام للحقوق والحريات وهما عضوان في تحالف ميثاق العدالة لليمن وهو (تحالف يضمّ إلى جانب آخرين المؤسّستَين السابقتَين)، بدعم من معهد DT، ضمن مشروع “دعم السلام في اليمن من خلال المساءلة والمصالحة وتبادل المعرفة (SPARK)”.

و” الطريق نحو السلام” هي دراسة بحثية ميدانية اعتمدت على 122 مقابلة، و20 جلسةً بؤرية تضمنت 203 مشاركين، في ست محافظات يمنية هي (صنعاء- عدن- الحديدة- تعز- حضرموت- مأرب).

وقد أجرى فريق البحث المكّوّن من 13 باحثًا ميدانيًا وميّسّرًا، هذه المقابلات والجلسات البؤرية بين نوفمبر 2024 وفبراير 2025، معتمدين على أسلوب العينة القصدية (الحالات) لضمان التمثيل الكافي من كل منطقة مستهدفة، وبين الذكور والإناث ومختلف شرائح المجتمع المتأثرة بالنزاع، من ضحايا الانتهاكات والنازحين والمهمشين وغيرهم.

*مشروع سبارك*

وعن مشروع دعم السلام في اليمن من خلال المساءلة والمصالحة وتبادل المعرفة تتحدث الأستاذة أمة السلام الحاج رئيسة رابطة أمهات المختطفين بقولها” (SPARK) هو مشروع يهدفُ إلى تعزيز المصالحة الوطنية والعدالة المستدامة والقبول بمبادئ وآليات العدالة الانتقالية، وتقييم قدرة المجتمع المدني على تنفيذ أنشطة العدالة الانتقالية في اليمن وتنفذه رابطة أمهات المختطفين بالشراكة مع منظمة سام للحقوق والحريات ومعهد دي تي”.

وأضافت الحاج لـ ” يمن مونيتور” من أهداف المشروع العمل على تقييم القدرات اليمنية وتصوراتها تجاه العدالة الانتقالية، وتوفير بناء القدرات وتجريب مبادرات العدالة التصالحية المحلية، وجمع أصحاب المصلحة من مختلف الجهات لتبادل المعرفة والدعوة إلى الاستثمار الدولي في العدالة الانتقالية في اليمن”.

وبخصوص الدراسة المعنونة ب (الطريق نحو السلام) لفتت الحاج إلى أنه” من أهداف هذه الدراسة الميدانية، العمل على معرفة أنماط الانتهاكات التي تعرّض لها الضحايا وإجراءات جبر الضرر المناسب لهم، وكذلك تقييم وعي المجتمع المحلي بمفاهيم العدالة الانتقالية، وإجراء استطلاعٍ عن تصورات المجتمع المحلي حول إمكانية وآليات تنفيذ العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في السياق اليمني، وكذلك العمل على قياس قدرات المجتمع المدني على تبني وتنفيذ آليات العدالة الانتقالية، وبناء الثقة بين مختلف فئات المجتمع”.

*الصعوبات التي واجهت الدراسة*

وعن الصعوبات التي واجهت الدراسة تقول الحاج” هناك الكثير من الصعوبات التي ظهرت أثناء إعداد وإجراء هـذه الدراسة، منها: الاعتبارات الأمنية التي اقتضت إجراء بعض المقابلات والجلسات البؤرية من خلال الإنترنت، وكذلك محدودية الميزانية التي حتمت على فريق البحث التركيز على ست محافظات فقط، بالإضافة إلى حساسية المواضيع لدى بعض المشاركين التي أثّرت على استعدادهم إلى التحدث بأريحية وشفافية”.

*العدالة الانتقالية ضرورةٌ وطنيةٌ وإنسانية*

أظهرت الدراسة أن 51% من عينة البحث لا يمتلكون أدنى معرفة عن العدالة الانتقالية وليس لديهم أي خلفية مسبقة بهذا الجانب، فيما كان 49%ممن لديهم معرفة ودراية عن العدالة الانتقالية”، وهذا ما يوجب على النشطاء الحقوقيين والإعلاميين ضرورة تكثيف الجهود لتنفيذ حملات رفع الوعي بالعدالة الانتقالية في أوساط المجتمع.

بهذا الشأن يتحدث الباحث في مجال العدالة الانتقالية، د/وهيب الهوري، قائلًا لـ “يمن مونيتور” : هناك عمل دؤوب في اليمن وفي المناطق الواقعة تحت سلطة الحكومة المعترف بها- على وجه الخصوص-، بشأن ترسيخ العدالة الانتقالية، فهناك الكثير من المبادرات الشبابية والنسوية التي تلعب دورا فعالًا في ترسيخ مفاهيم السلام ونشر الوعي بالعدالة الانتقالية وممارسة جهود الوساطة المحلية وحل النزاعات المجتمعية وحشد المجتمعات المحلية حول مناصرة قضايا السلام والتماسك المجتمعي، وتلك المبادرات تقوم بها كلٌ من اللجان المجتمعية، والوجهاء والمشايخ، ولجنة المصالحة والسلم المجتمعي، ولجنة إصلاح ذات البين، ولجنة المخفيين قسرا”

وأردف” لا يزال المجتمع اليمني بحاجة إلى توعية أكثر بمفاهيم العدالة الانتقالية، بما تحمله من جبر الضرر والمساءلة والمصالحة والتعويضات، والإنصاف، وترسيخ السلام المستدام”.

*المصالحة أم المساءلة*؟

وقد خلصت دراسة (الطريق نحو السلام)

إلى أن %64.3 من المشاركين في شقي المقابلة يفضلون المصالحة وإنهاء الحرب، مقابل %35.7 يفضلون المساءلة والمحاسبة، والأسباب الرئيسية التي دفعت إلى تفضيل المصالحة شملت القناعة بأن المصالحة ضرورية لتحقيق العدالة الانتقالية، وضمان بقاء الدولة اليمنية موحدة تحت سيادة القانون، وإنهاء النزاع بشكل نهائي.

في المقابل، رأى مؤيدو المساءلة والمحاسبة أن هذه الآليات ضرورية لضمان اعتراف الجناة بجرائمهم، وحماية حقوق الضحايا من الضياع، ومنع الإفلات من العقاب، كما أن بعض الأطراف غير راغبة في المصالحة الوطنية، ما يجعل العدالة والمحاسبة شرطا ضروريا لإنهاء النزاع”.

وأما الهوري فيرى أن” تُقَدم المصالحة وتؤخر المساءلة إلى وقت الاستقرار؛ لأن المساءلة بقدر ما هي ضرورية فقد تعيق تحقيق العدالة الانتقالية وتعيق الاستقرار، وقد يلجأ المنتهِكون، وخاصةً إذا كانوا من أصحاب النفوذ إلى إعاقة العدالة الانتقالية والاحتيال عليها”.

وأردف” إذا وجدت المصالحة في اليمن ينبغي أن تكون أولى من المساءلة، شريطة ألا يفلت المجرمون من العقاب وألا تضيع حقوق المظلومين من أسر الجرحى والشهداء وأمهاتهم؛ ولهذا نحن بحاجة إلى توازن مدروس بين المصالحة والمساءلة”.

*دور الأحزاب السياسية في العدالة الانتقالية*

عبر بعض المشاركين في الدراسة عن ترددهم في انخراط الأحزاب السياسية في العدالة الانتقالية بسبب انحياز الأحزاب إلى مصالحها، وقد تم سؤال الخبراء المشاركين في المقابلات عن الدور الذي يجب أن تلعبه الأحزاب السياسية في تنفيذ آليات العدالة الانتقالية فقال معظمهم إن ذلك الدور يتمثل في صياغة القوانين والتشريعات اللازمة ودعم مبادرات المصالحة الوطنية وتسهيل إجراءات التعويض للضحايا.

وعن دور الأحزاب السياسية في العدالة الانتقالية يرى الهوري أن” الأحزاب السياسية تسير في مسارين، مسار يعرقل العدالة الانتقالية ومسار معها، ومن الأحزاب من يريد أن يجعل من العدالة الانتقالية غطاء يخفي من خلاله الانتهاكات التي مارسها بحق الإنسانية، وفي الحقيقة الأحزاب السياسية في اليمن قد تكون عائقا في تحقيق العدالة الانتقالية باعتبار أن الجميع كان مشاركا في السلطة في فترة من الفترات، ثم انتقل إلى المعارضة “.

ووضح أن” الأحزاب السياسية كلها دون استثناء، بقدر ما هي حريصة على العدالة الانتقالية بقدر ما تسعى إلى طمس الحقائق ونسيان الماضي والهروب من انتهاكات حقوق الإنسان ومن الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب وبحق القانون”.

*الوقت المناسب لتنفيذ العدالة الانتقالية*

ويرى الهوري أن” الوقت المناسب لتنفيذ العدالة الانتقالية في اليمن، هو الوقت الذي نحن فيه اليوم، ولكن في البداية يجب أن يؤسَّس للعدالة الانتقالية تأسيسًا حقيقًيا وأن يوعَّى المجتمع بهذا الجانب توعية سليمة، ثم تتبعها الخطوات، واتباع الآليات سواء قضائية أو غير قضائية، والمحاكمة، والمساءلة والمصالحة”.

وواصل” أما تطبيق العدالة الانتقالية على أرض الواقع فينبغي أن يكون بعد انتهاء الحرب، سواء حدثت تسوية سياسية أو حُسمت المعركة عسكريا؛ فحينها يجب تطبيق العدالة الانتقالية، شريطة ألا تكون تحت عدالة المنتصر، وبعد أن يكون هناك أسس وبُنى قد تم العمل عليها خلال هذه المرحلة”.

ولفت إلى أن” الوضع في اليمن يحتاج إلى عدالة انتقالية وتأسيس حقيقي لها، ويجب أن نستفيد من تجارب العدالة الانتقالية الأخرى التي حدثت في تونس والمغرب وجنوب أفريقيا ورواندا التي حققت فيها العدالة الانتقالية نجاحًا كبيرًا وأصبحت مثلًا يضرب به في البلدان”.

واختتم نحن بحاجة إلى عدالة انتقالية تنصف الإنسان وتحاسب جميع منتهكي حقوق الإنسان وتعمل على تعويض الضحايا واسترداد حقوقهم وجبر الضرر للجميع.

*الناجون والضحايا في قلب العدالة الانتقالية*

في السياق يتحدث الصحفي الناجي من سجون الحوثيين، إبراهيم الجحدبي قائلًا” رغم أن مفاهيم العدالة الانتقالية ما تزال غامضة إلى حد كبير لدى قطاعات واسعة من المجتمع اليمني، إلا أن هناك تطور نسبي في الوعي، لا سيما في أوساط الناشطين الحقوقيين، والضحايا، ومنظمات المجتمع المدني؛ لكن هذا الوعي يظل محدودًا وعرضة للتشويش بفعل الاستقطابات السياسية والمناطقية”.

وأضاف الجحدبي لـ ” يمن مونيتور” كثير من المواطنين يخلطون بين العدالة الانتقالية والمحاسبة الجنائية البحتة أو يعتبرونها مجرد تسوية سياسية، دون إدراكٍ لأبعادها الأوسع التي تشمل معرفة الحقيقة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار، والإصلاح المؤسسي”.

وأردف” لأن العدالة الانتقالية ترتبط بالسياق السياسي، فإن غياب الاستقرار، واستمرار النزاع، وتسييس العدالة، يعرقلان ترسيخها كمفهوم جامع يلامس تطلعات الضحايا والمجتمع نحو سلام دائم؛ لذا، فإن تعزيز هذا الوعي يحتاج إلى برامج توعوية طويلة المدى ومؤسسات مستقلة قادرة على ترجمة المفاهيم إلى خطوات عملية ترتبط بالحياة اليومية لليمنيين”.

*المساءلة ضرورية*

ولفت إلى أن” المساءلة والمصالحة ليستا في تعارض، بل ينبغي أن تسيرا جنبًا إلى جنب، وبتسلسل مدروس، في السياق اليمني، فإن كثيرًا من الضحايا يطالبون بالمساءلة أولًا، ليس رغبة في الانتقام، بل رغبة في استعادة الكرامة والاعتراف بمعاناتهم، وإنهاء الإفلات من العقاب الذي راكم المظالم وزاد منسوب العنف”.

وقد ركزت الدراسة على أولويات الضحايا الرئيسية لجبر الضرر وتحقيق العدالة في قضيتهم والتي حددها المشاركون في المقابلة العامة، الذين أفادوا بتعرضهم أو أسرتهم إلى انتهاك، وقد جاءت الأولويات مرتبة بحسب الأهمية على النحو التالي:

محاسبة الجناة قانونيًاً في المرتبة في الأولى باعتبارها الآلية الأهم لجبر الضرر وتحقيق العدالة بنسبة تفضيل (%53.5) يليها التعويض المادي ثم الدعم والتأهيل النفسي ثم العلاج الطبي ثم الاعتراف والاعتذار من الجاني ثم إجراء المصالحة.

يؤكد الجحدبي” الضحايا يريدون أن يُسمعَ صوتهم، أن يُعترف بما جرى لهم، أن يُعاقب الجناة أو على الأقل تُكشف الحقيقة عن أفعالهم؛ وهذا لا يتناقض مع المصالحة، بل يؤسس لها؛ فمصالحة لا تقوم على الحقيقة والمساءلة ستكون مجرد غطاء هش يعيد إنتاج الصراع”.

ووضح الجحدبي” لكن من ناحية عملية، قد تختلف طبيعة المساءلة باختلاف السياقات؛ فربما لا يكون من الممكن تحقيق العدالة الجنائية الكاملة فورًا، لكن يمكن العمل على العدالة الرمزية، والتعويضات، وتوثيق الانتهاكات، وضمانات عدم التكرار، المهم ألَّا تكون المصالحة على حساب الحقيقة أو بحق الضحايا”.

وبحسب الجحدبي فإن” دور الأحزاب السياسية وأطراف الصراع في اليمن تجاه العدالة الانتقالية إما سلبيًا أو انتقائيًا، فمعظم الأطراف تنظر إلى العدالة الانتقالية من منظور براغماتي يخدم مصالحها الآنية، وليس كوسيلة لتحقيق إنصاف تاريخي وبناء دولة قانون ومواطنة”.

وأكد” بعض الأطراف قد ترفع شعارات العدالة أو المصالحة، لكنها تفعل ذلك لأغراض تفاوضية أو لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، دون التزام حقيقي بتقديم تنازلات أو الاعتراف بدورها في الانتهاكات”.

وشدد على ضرورة أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف للانخراط في عملية عدالة انتقالية شاملة، لا تستثني أحدًا، ولا تخضع للمقايضة السياسية، كما أنه على الأحزاب أن تعيد تعريف دورها، كمكونات للسلطة فقط، بل كحامل اجتماعي لقيم الديمقراطية والعدالة وسيادة القانون”.

وواصل” ينبغي أن يكون لمنظمات المجتمع المدني، وخاصة المنظمات التي تمثل الضحايا، دور مهم في الضغط، والمناصرة، وتقديم نماذج بديلة وممكنة لمسارات العدالة الانتقالية التي تنطلق من الواقع وتبني عليه”.

*رؤية المجتمع المحلي الجنوبي عن العدالة الانتقالية*

بدورها، ترى الشخصية السياسية في المجلس الانتقالي الجنوبي، منى هيثم أن” غالبية الشارع اليمني لا يعرف عن العدالة الانتقالية ولا يعرف هذا المصطلح وكثيرًا ما يخلطون بينه وبين مفهوم المصالحة القبلية أو العفو العام؛ والسبب يعود إلى عدم نية الحكومة في إدماج آليات العدالة الانتقالية في المجتمع وفلسفة أطراف النزاع في الحكومة التي تعتقد أن المرحلة الانتقالية في اليمن تبدأ بتقاسم السلطة بينهم”.

وأضافت هيثم لـ “يمن مونيتور” الضحايا يرون أن العدالة الانتقالية هي عودة أبنائهم أو دفنهم، لا يطالبون بكشف الحقائق ولا بإصلاح المؤسسات؛ لأنهم لا يثقون بالمؤسسات إطلاقًا، كما أن الخوف من الانتقام يجعل الضحايا لا يتحدثون عن المفهوم ويقبلون في الغالب بالعرف القبلي؛ ولهذا فمن يتحدث عن العدالة الانتقالية في اليمن هي منظمات المجتمع المدني في عدن، وتعز، أو صنعاء، وتتعامل مع المفهوم من زاوية حقوقية نخبوية”.

وأشارت إلى أن” وعي المجتمع المحلي الجنوبي بمفهوم العدالة الانتقالية، مرتبط بالضرر الذي أحدثته حرب صيف 1994م، من قبل قيادة وجيش وقبائل الشمال على الإنسان والدولة في الجنوب، عن فرض الوحدة بالقوة وانتهاك شرط الطوعية لقيام الوحدة بين دولتين وفقا لميثاق الأمم المتحدة وكذلك يرتبط وعي الجنوبيين بمفهوم العدالة الانتقالية إلى بعد زمني يعود الى ما قبل الوحدة إلى العهد السياسي للجنوب ما قبل 1990م”.

وأكدت أنه” لا عدالة انتقالية بدون مصالحة وطنية ولا مصالحة وطنية بدون عدالة انتقالية؛ وبالتالي لا مصالحة بدون مساءلة ولا مساءلة بدون مصالحة، فلا يمكن الانتقال إلى المستقبل دون الوقوف على كوم تراكمات أضرار الماضي والحاضر ومعالجتها بآليات قانونية واجتماعية تضمن تحقيق المصالحة بعد ذلك”.

وأردفت” يفهم المجتمع المحلي الجنوبي معادلة خاصة في تطبيق العدالة الانتقالية، تبدأ بإعلان دستور انتقالي ينص صراحة بحق أي إقليم إعلان الانفصال عبر استفتاء سكان الإقليم وبرعاية دولية”.

وأكدت العدالة الانتقالية ليست مسارًا قانونيًا فقط؛ بل هي مسار سياسي بامتياز، وللأحزاب السياسية إما دور إيجابي، أو دور سلبي، ويمكن أن يكونوا داعما أساسيا أو معرقلا خطيرا لهذا المسار، والدور الإيجابي المحتمل للأحزاب السياسية في دعم العدالة الانتقالية يبرز بداية في القبول السياسي لأنها تقر بمبدأ العدالة الانتقالية وتضمنه في برنامجها السياسي ولها روئ في كيفية تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية وبالتالي تخلق شرعية سياسية لهذه العملية، يفتح المجال لخلق توافق وطني”.

وأشارت إلى أن” الأحزاب السياسية في الشمال هناك أحزاب تقليدية صاحبة النفوذ السياسي وهما المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، أحزاب شاركت في الحكم والنزاع، وبالتالي لديها مسؤولية تاريخية، والحوثيون، كجماعة مسلحة انخرطت في الحرب وانتهكت حقوق الإنسان وهناك أحزاب ناشئة تمثل صوتا جديدا قد يدفع نحو عدالة ومصالحة أكثر استقلالا، لكن جميع تلك الأحزاب في الشمال شاركت في الانتهاكات ومن غير المنتظر منها أن تكون جزءاً نزيها في العدالة الانتقالية”.

ومضت قائلة” في الجنوب توجد فروع للأحزاب السياسية لكنها لا تلعب دورا بارزا في عملية دعم العدالة الانتقالية ولا تحظى بقبول عند الجنوبيين بل ترفضها وترى فيها الخصم الأساسي لقضية شعب الجنوب”.

ووضحت” يمكن للمجلس الانتقالي أن يحدث دعما كبيرًا في تطبيق العدالة الانتقالية وأن يضفي لها شرعية، خاصةً وأن المجلس الانتقالي الجنوبي مع المكونات الجنوبية الرئيسية استطاعوا أن يتوافقوا عبر الحوار على كتابة مشروع الميثاق الوطني الجنوبي وتم التوقيع عليها من قبل 37 مكونا جنوبيا في 8 مايو 2023م، وقد تضمنت وثيقة الميثاق على مبادئ عامة لمشروع العدالة الانتقالية الجنوبية، مع الإشارة إلى وجود مكونات سياسية جنوبية أخرى لها مشروعها السياسي الخاص، وتمنعت عن التوقيع على الميثاق الوطني الجنوبي”.

ختاماً: لقد ألقت هذه الدراسة الضوء على كثير من النقاط الحيوية التي تستدعي مزيدا من البحث والتقصي حولها كمواقف الأحزاب والمكونات السياسية، وعن تفضيل المجتمع المحلي للمصالحة رغبة في إنهاء هذه الحرب التي أنهكت الجميع، فيما يصر قطاع عريض من الضحايا على تقديم المساءلة، مما يستوجب التفكير في نهج مرن يجمع بين المصالحة والمساءلة.

……………………………….

(هذا التقرير يعد جزءاً من أنشطة مشروع “دعم السلام في اليمن من خلال المساءلة والمصالحة وتبادل المعرفة SPARK المنفذ من قبل معهد دي تي بالشراكة مع عضوي تحالف ميثاق العدالة لليمن رابطة أمهات المختطفين ومنظمة سام للحقوق والحريات)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى