أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

تمديد ولاية “أونمها”.. شرعنة أممية لواقع الحوثيين أم عجز متواصل عن إنقاذ الحديدة؟

يمن مونيتور/تقرير خاص

في قرار لم يأتِ بجديد سوى تكريس الجمود، صوّت مجلس الأمن الدولي، الإثنين الماضي، على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) حتى 28 يناير 2026، في خطوة اعتبرها كثيرون محاولة فاشلة لإبقاء اتفاق ستوكهولم حيًّا على الورق، رغم موت بنوده سريريًا على الأرض، وتحوّل المدينة الساحلية إلى ساحة سيطرة مطلقة للحوثيين خارج أي التزام دولي أو قانوني.

في اليوم التالي، صوت مجلس الأمن، على قرار آخر يُلزم الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقارير شهرية مكتوبة حول الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر، وذلك حتى منتصف يناير 2026, في وقت أعلنت فيه القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إحباط أكبر عملية تهريب أسلحة إيرانية متطورة إلى الحوثيين، ما يسلّط الضوء مجددًا على تعاظم التهديدات الإقليمية في ظل غياب استجابة دولية حاسمة.

تجدر الإشارة إلى أن بعثة “أونمها” أُنشئت نهاية عام 2018، بموجب اتفاق ستوكهولم الموقع بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، وكان يُفترض أن تمثل آلية أممية لمراقبة وقف إطلاق النار، وإعادة انتشار القوات، وتأمين موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى.

إلا أن مجريات الأحداث منذ تأسيسها حتى اليوم، بحسب المراقبين أن البعثة فشلت في أداء مهامها الأساسية، حيث انحصر حضورها في أنشطة شكلية وتقارير دبلوماسية ضبابية، دون القدرة على ردع الانتهاكات الحوثية أو حتى توثيقها بوضوح.

بعثة فاقدة للفاعلية أم غطاء سياسي للحوثيين؟

يرى مراقبون أن البعثة لم تعد تمثل عنصرًا فاعلًا في تعزيز فرص السلام، بل تحوّلت إلى أداة تعزز من شرعية الأمر الواقع الذي فرضته مليشيا الحوثي بالقوة، مستفيدة من الغطاء الدولي الذي توفره البعثة، في ظل غياب أي آلية مساءلة أو محاسبة جادة من قبل الأمم المتحدة.

ويصف الصحفي مصعب عفيف، وهو من أبناء الحديدة، تمديد ولاية البعثة بأنه “تدوير للفشل”، مؤكدًا أن “أونمها تحوّلت إلى أداة في يد الحوثيين لتكريس سيطرتهم على المدينة وموانئها، التي أصبحت مصدر تمويل ضخم للجماعة يُستخدم لتعزيز قدراتها العسكرية”.

ويضيف عفيف في حديث لـ”يمن مونيتور”: “لم يصدر عن البعثة أي تقرير يدين الحوثيين أو يحمّلهم مسؤولية تعطيل الاتفاق، بل تكتفي بالصمت، وكأن دورها هو الحفاظ على صورة زائفة للهدوء في مدينة تتحول إلى ثكنة مسلحة تهدد المنطقة”.

أونمها رهينة بيد الحوثيين

الاتهامات الموجهة للبعثة لا تتوقف عند حدود الفشل الإداري، بل تتعداها إلى التشكيك في نوايا دورها، إذ يرى العديد من المحللين أن استمرار “أونمها” بشكلها الحالي لم يعد يخدم عملية السلام، بل يضفي شرعية على الأمر الواقع الذي فرضته جماعة الحوثي، في ظل غياب أي آلية مساءلة أممية.

وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني وصف أداء البعثة بـ”الكارثي”، معتبرًا أنها “تحولت إلى مظلة سياسية يستغلها الحوثيون لترسيخ سيطرتهم على الحديدة، في وقت تدر فيه موانئ المدينة أكثر من 789 مليون دولار سنويًا لصالح الجماعة، دون التزام بتوريدها للبنك المركزي أو دفع رواتب الموظفين”.

وأشار الإرياني إلى أن تلك العائدات تُستخدم في تمويل عمليات عسكرية داخلية وخارجية، ما يجعل من استمرار وجود البعثة دون صلاحيات رادعة، مساهمة غير مباشرة في تمكين الجماعة.

وفي تطور لافت، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، عن إحباط أكبر عملية تهريب أسلحة إيرانية تقليدية متطورة كانت في طريقها إلى جماعة الحوثي، من قبل قوات المقاومة الوطنية اليمنية (قوات موالية للحكومة الشرعية).

ووفق بيان رسمي، تمّت مصادرة أكثر من 750 طناً من الذخائر والمعدات العسكرية، بينها صواريخ كروز، ورؤوس حربية، ومحركات طائرات مسيّرة، وأنظمة دفاع جوي، ورادارات، ومعدات اتصالات، بعضها صناعة إيرانية صريحة وتحمل كتيبات باللغة الفارسية.

ويعكس هذا التطور، وفقًا لمحللين، طبيعة الدعم العسكري المتصاعد من طهران للحوثيين، ويطرح تساؤلات حول جدوى أي بعثة رقابية تغض الطرف عن أصل الأزمة، والمتمثل في استمرار التهريب العسكري الذي يغذي آلة الحرب.

وفي ذات السياق، يعلّق الأكاديمي والمحلل السياسي د. شهاب راجح بالقول: “تمديد ولاية بعثة الحديدة من جهة، وتكثيف الرقابة على البحر الأحمر من جهة أخرى، يكشف أن المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع جماعة الحوثي بمنطق تجزئة الأزمات، بدلًا من التصدي لجذر المشكلة، وهو السلاح الإيراني والدعم العسكري المتنامي الذي يغذي العنف”.

وأضاف في تصريح لـ”يمن مونيتور”: “ما لم تُربط هذه التحركات بتفكيك منظومة التهريب والدعم الإيراني، فإن البحر الأحمر لن يكون آمناً، ولن يكون هناك معنى لبقاء بعثة أممية غير قادرة على ردع انتهاكات يومية، بل أصبحت جزءاً من تثبيت الوضع لصالح المليشيا”.

ويؤكد راجح أن “الحديدة لن تخرج قريبًا من مأزقها، فالمعادلة القائمة تكرّس بقاء مليشيا مسلحة تسيطر على المدينة، ومجتمع دولي يكتفي بمراقبة المشهد دون تدخل حاسم، وبعثة أممية تحولت إلى هيكل رمزي يُطيل عمر اتفاق ميت، أكثر مما يخدم عملية السلام”.

وأوضح أن بقاء حضور “أونمها” في الحديدة اليوم، يبين عنوانًا صارخًا لفشل الإرادة الدولية، ومثالاً حيًا على عجز الأمم المتحدة عن فرض التزاماتها، أو حتى حفظ ماء وجهها أمام شعب أنهكته الحرب وصادرت قواه المليشيات وأوهام السلام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى