آراء ومواقف

إشكالية حكم المركز في اليمن .. ممانعة الجغرافيا ومراوغة السلطة

أمين بارفيد

بداية، لا بد من التنويه أن هذا المقال لا يكتب ضد صنعاء — المدينة التي نحبها، ونتوق إلى روحها و أهلها الطيبين — بل يأتي في سياق محاولة لفهم واحدة من أعقد إشكاليات التحول السياسي في اليمن وهي طبيعة المركز، وممانعة الجغرافيا الحاكمة لأي مشروع شراكة وطنية حقيقية. الحديث هنا ليس عن جغرافيا ضد أخرى، بل عن بنية سلطوية تاريخية تحتاج إلى تفكيك عادل، ليس بالعنف ولا بالإقصاء.

منذ انسحاب العثمانيين مطلع القرن العشرين، لم يحكم صنعاء أي شخصية قادمة من خارج الهضبة الشمالية، وهي الرقعة الجغرافية الممتدة من صعدة مرورا بعمران وصنعاء حتى ذمار. تتكرر التجارب، وتتبدل الشعارات، وتتغير المراحل، لكن مركز السلطة يظل مغلقا على ذاته، متوجسا من أي مشروع وطني لا يُولد من داخله. هذه ليست مصادفة، بل نمط سياسي ، تتداخل فيه الجغرافيا بالمذهب، والقبيلة بالمؤسسة، والتاريخ بالهوية. ما يُعرف اصطلاحا بالهضبة ليس فقط تضاريس مرتفعة، بل بنية سلطوية متوارثة تنتج النخب، وتحمي القرار، وتضع حدودا غير مرئية لمن يصل إلى مفاصل الدولة. ظل القرار يُصنع داخل هذه الدائرة، ويتجدد فيها رغم تغير الحقب. الزيدية السياسية، بتحالفاتها ، لم تخرج من هذا الإطار، حتى في ظل الجمهوريات المتعاقبة.

حين دخل علي سالم البيض وحدة 1990، لم يكن يطلب تمثيلا رمزيا، بل شراكة حقيقية في الحكم. لكنه وُوجه بجدار من التهميش انتهى بحرب اجتثاثية في 1994، أعادت الهيمنة الكاملة للمركز، وأعادت تعريف “الوحدة” كضمّ لا كشراكة.

في العام 2006، ظهر فيصل بن شملان كأبرز مرشح مدني مستقل لرئاسة الجمهورية، مدعومًا من طيف واسع من القوى الوطنية، لكنه رُفض ليس لأنه لا يملك الرؤية، بل لأنه لم يخرج من نسيج المركز. فُرضت عليه الهزيمة بتزوير مكشوف، في رسالة مفادها أن السلطة لا تُؤخذ من المركز، بل تُمنح وفق شروطه. ثم جاء عبد ربه منصور هادي، الرئيس الانتقالي القادم من الجنوب، محمولا على توافق ثوري وسياسي و إقليمي . لكنه بقي محاصرا بمراكز نفوذ داخل صنعاء، عاجزا عن إدارة المؤسسات أو إعادة هيكلتها، حتى اقصي بانقلاب تحالف الحوثي وصالح، انقلاب لم يكن هدفه إسقاط شخص، بل إعادة تموضع سلطة داخل جغرافيتها التاريخية.

صنعاء لا تُدار من القصر الجمهوري فقط، بل من شبكة مصالح عميقة تشمل القبيلة كذراع نفوذ اجتماعي وعسكري، والمؤسسات السيادية التي بقي قرارها مغلق على  الهضبة. ولا تقل أهمية الرمزية الثقافية، إذ تُقدَّم صنعاء كعقل وطني جامع، وهوية ممثلة عن كل اليمن ، رغم أنها فعليا مركز قرار مغلق، يتحكم في مفردات الوطنية والتاريخ والإدارة.

رغم أن اليمن متعدد الأقاليم ومتنوع الثقافات، لم تستطع الأطراف الجنوبية أو الوسطى أو الشرقية بناء مشروع شراكة حقيقية. الجنوب ظل منقسما بين قوى تفاوض المركز وأخرى تحاول الخروج منه دون بديل مؤسسي. تعز وإب، رغم ثقلهما السكاني والتعليمي، لم يمنحا أدوارا قيادية، واكتفيا بالحضور في البيروقراطية والمجتمع المدني. أما حضرموت والمهرة ومأرب، فظلت كمناطق موارد لا مناطق قرار، بينما بقيت تهامة الأكثر تهميشا، لا حصة لها في الدولة ولا في مشروعها.

المشكلة إذا ليست فقط في صنعاء كمكان، بل في من يطلب ودّها. معظم نخب الأطراف ارتبطت بالمركز، سياسيا واقتصاديا، فتخلّت عن قواعدها الشعبية، ولم تبني أدوات إدارة بديلة. لم يُنتج أي طرف خارج المركز مشروعا موازيا معبر عن كل اليمن يخلق مركز قرار جديد، بل ظل الجميع يدور في فلك صنعاء، ينتظر منها الاعتراف أو التمكين.

صنعاء ليست فقط عاصمة سياسية، بل عقل سلطوي متوارث، طارد لأي مشروع وطني يأتي من خارج نسيجه. وكل محاولة اختراق لذلك العقل سُحقت، أو أُفرغت من مضمونها. لذلك، فإن إعادة صياغة اليمن لا تبدأ من مناقشة الأشخاص أو التحالفات، بل من تفكيك بنية المركز وتوزيع السلطة توزيعا عادلا، يقوم على الكفاءة والتمثيل الحقيقي، لا الامتياز الجغرافي أو الإرث التاريخي.

 

المقال نقلاً من صفحة الكاتب على فيسبوك 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى