آراء ومواقف

الوحدة اليمنية.. بين الشعارات والواقع المرير

 

قبل خمسة وثلاثين عامًا تحققت الوحدة اليمنية وسط آمال كبيرة بتحقيق الاستقرار والتنمية، وأن تُشكل هذه الوحدة بوابة عبور نحو مشروع وطني جامع، مؤسِّسًا لمرحلة جديدة من التلاحم الوطني وربما لوحدة عربية أشمل. غير أن تلك التطلعات سرعان ما بدأت تتآكل مع تصاعد الخلافات السياسية بين شريكي الوحدة، حتى بلغت ذروتها في حرب صيف 1994، التي كانت الضربة الأولى لهذا المشروع وفتحت بابًا واسعًا لسلسلة من التصدعات المتواصلة منذ ذلك الحين.

اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود على إعلان الوحدة، لم يبقَ منها سوى الاسم والشعارات والاحتفالات الرسمية المتكلفة التي باتت ثقيلة على كاهل شعب منهك يعيش في ظل واقع مزرٍ يتسم بالتشتت والانقسام.

الوحدة التي كانت حلم اليمنيين وأملهم في الخلاص من التشرذم والتبعية، تحولت إلى عبء ثقيل يضاف إلى قائمة الأزمات المتراكمة التي لم يعد المواطن قادرًا على احتمالها.

السلطة الشرعية التي يفترض أن تمثل الدولة الموحدة لم تستطع حتى اليوم أن توحد قواتها ولا أن تفرض سلطتها على كامل التراب الوطني، فيما تنتشر المليشيات المسلحة التي لا تؤمن إلا بمنطق القوة والموت، وتفرض سيطرتها على الأرض وفق أجندتها الخاصة، في ظل عجز تام للقانون وغياب للرؤية المشتركة لضمان مستقبل البلاد. وبين هذا وذاك، يقبع الشعب اليمني غارقًا في مستنقع لا ينتهي من الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية، ولا يجد لها مخرجًا.

عمليًّا، يمكن القول إن اليمن بات منقسمًا على نفسه. الجنوب يعيش حالة انفصال فعلي من حيث الإدارة والسيطرة العسكرية، ولم يتبقَ من الوحدة سوى أن دولة الوحدة هي التي تدفع مرتبات الانفصال دون أن تقابل ذلك عائدات أو ولاء فعلي للدولة. أما حضرموت فقد تحولت إلى كيان شبه مستقل يدير شؤونه بعيدًا عن صنعاء وعدن على حدٍّ سواء، وسقطرى باتت شبه معزولة عن الجغرافيا اليمنية بأكملها، تديرها أطراف خارجية أكثر مما تؤثر فيها سلطات الداخل. في المقابل، تعيش تعز عزلة مزدوجة عن الشمال والجنوب وسط حصار عسكري طويل الأمد وفشل في فك ارتباطها من تبعات الحرب.

الحاجة إلى رؤية جديدة

في ظل هذا المشهد المعقد، إن أسوأ ما يمكن أن نفعله اليوم هو الاستمرار في دفن الرؤوس في الرمال، والتمسك بخطابات الوحدة البالية التي تجاوزها الواقع منذ سنوات، دون الاعتراف الصريح بأن مشروع الوحدة كما عرفناه قد مات سريريًّا، ولم يعد قابلًا للإنعاش بالشعارات ولا بالمهرجانات الرسمية التي لا تقنع أحدًا.

نحن بحاجة إلى شجاعة سياسية وأخلاقية لمصارحة الذات والناس، والاعتراف بأن هذا المشروع قد فشل، ليس احتفالًا بالفشل بل لبداية جديدة، وللبحث عن بدائل واقعية تضع مصلحة الشعب فوق كل الاعتبارات السياسية والحزبية والأيديولوجية. إن الوحدة التي تموت كل يوم تحت ركام الفساد وتنهار أمام السلاح وتتفكك بفعل الانقسامات، لا يمكن أن تعود إلى الحياة بالشعارات.

نحن بحاجة إلى مراجعة جريئة وإلى حوار وطني جامع، مؤسِّسٍ لسلام حقيقي لا يقوم على الإقصاء بل على التوافق والعدالة والمساواة. ربما آن الأوان لإعادة تعريف مفهوم الوحدة، لا بوصفها ضمًّا قسريًّا أو هيمنة أحادية، بل شراكة حقيقية في الحقوق والواجبات، ومسؤولية مشتركة في بناء دولة تحترم كافة مواطنيها وتضمن لهم الكرامة والعدالة.

أما الاستمرار في رفع الشعارات الفارغة عن الوحدة في ظل واقع يتناقض معها في كل تفاصيله، فلن يكون سوى مضيعةً للوقت وتكريسًا لحالة الفشل الذي يعيشها اليمن منذ سنوات طويلة.

السؤال الجوهري الذي يجب أن نواجهه الآن بلا خوف: هل نمتلك الشجاعة لإعادة تعريف الوحدة، أم أننا سنبقى أسرى أوهامها القديمة حتى النهاية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى