اخترنا لكمكتابات خاصة

في رثاء المفكر الكبير محمد عمارة

د. عبدالله القيسي

توفي المفكر محمد عمارة اليوم السبت، يناقش “القيسي في المقال تاريخ عمارة الذي يعتبر أخر المفكرين العمالقة 

رحل المفكر الإسلامي الكبير محمد عمارة، توفي الرجل الذي كان يتقد في حديثه حتى بعد الثمانين.. رحل آخر العمالقة في مدرسة التجديد المعاصرة، رحل بعد أن أفنى جزءا كبيرا من عمره في إحياء تراثها ومؤلفات شيوخها، كان يقاوم وحده لإحياء ذلك الفكر وإعادة العقل لدوره الحيوي في الفكر الإسلامي، يكتب يؤلف يناقش يجادل يحاور يقارع الفكر الاستبدادي والمستبدين، ويقف ضد الطغيان الذي توجه إلى العالم الإسلامي والزيف الذي كان يوصم به الفكر الإسلامي تاره من أبنائه المتعصبين وتاره من خصومه الناكرين.
لتلحق بالعظماء الذين كتبت عنهم وأنرت للناس كتبهم، لتلحق برفاعه الطهطاوي وجمال الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي ورشيد رضا وقاسم أمين ومحمد المراغي وعلي عبدالرازق ومصطفى عبدالرازق وحسن البنا ومحمود شلتوت وعبدالجليل عيسى وعبدالمتعال الصعيدي وأمين الخولي ومحمد الغزالي وغيرهم.
كان أول كتاب وقع بين يدي من بين مؤلفات هذا المعلم التي تجاوزت المائة، كتاب “التراث في ضوء العقل” كان يحدثني عن أسماء لم أسمع بها من قبل، واصل بن عطاء، عمرو بن عبيد ..الخ، ثم يتحدث عن المعتزلة كحركة عقلية تجديدية في تاريخنا، تلك الفرقة التي  كنت أسمع هجوما شديدا عليها عنها بأنها إحدى الفرق المبتدعة التي انحرفت عن الدين، بل بعض الهجوم عليها كان يجعلني أظن أنها من الفرق التي تحارب الدين، لقد كان هذا هو المعلم الأول الذي نبهني إلى هذا التراث المعتزلي الذي انهال عليه التراب ولا يراد للناس كشفه أو قراءته..
كتب كثيرا عن العقل في الفكر الإسلامي ودوره وحاول أن يعيد له قيمته بين حركات وفرق إسلامية تراه عورة يجب تغطيته أو ستره أو تعطيله، اشتغل بمفرده لإحياء مدرسة التجديد المعاصرة بجهد لا يقوم به إلا مؤسسات، يخرج المجموعة الكاملة تلو المجموعة لكبار رجالها ..كنت أتعجب من هذا الجهد الكبير في الانتاج المعرفي، وإخراج تلك الموسوعات!! لم يكن جهدا تجميعيا فقط رغم صعوبة تجميع تراث أولئك الذي تناثر في المجلات والصحف والكتب لكنه كان أيضا تحقيقيا، فمثلا استخرج كلام الشيخ محمد عبده الخاص به من تفسير المنار الذي كتبه رشيد رضا، وهو عمل ليس بالهين أن تفرز كلام الشيخ عن تلميذه، برغم بروز ملامح عبده أحيانا إلا أنه كان يتداخل مع كلام رضا في مواطن عدة.
لا أنسى ظهوره الآسر في التلفزيون فقد كان يشدني اتقاده الكبير وهو يتحدث، لقد ذهبت للبحث في قوقل بعد إحدى حلقاته لأنظر عمر هذا الشيخ فتفاجأت أنه كبير السن، كان يتحدث على غير طريقة الشيوخ، موسوعيا يعطي مستمعيه رزمة معرفية يردون بها على أي سؤال مطروح على الدين، يعيدك إلى تفاصيل تاريخية في تاريخ حضارة الإسلام ورقي تعاملها مع الآخر حين يحاول الخصم أن يدفن أو ينكر أي جميل في حضارتنا.
في سنواته الأخيرة وبعد أن كان التوجه العالمي يصوب سكاكينه تجاه العالم الإسلامي بعد أحداث سبتمبر التفت هذا الشيخ الجليل ليقول لهؤلاء مهلا، فنحن الذين عشنا في نقد بعض تراثنا وإحياء بعضه من سيقوم بتجديده لا أنتم، أنتم لا تريدون تجديدا وإنما تقليما لأي قوة بداخله قد تواجه غطرستكم، تجديدا لا يكون قوة تواجه هيمنتكم وانتهاككم ولا يتجه لقضايا الأمة، ولا يتفاعل مع آلامها، ولم ينس في خضم معاركه تلك أن يوجه نقده اللاذع لعملاء ذلك الطغيان العالمي الذي يقف منحازا ضد أي قضية إسلامية، ابتداء بالقضية الأولى فلسطين.
وقف الشيخ الجليل في وجه الدكتاتوريات ودافع عن ثورات الربيع وهاجم الاستبداد، وأخرج لنا تراث الأفغاني والكواكبي وكتب عن “ثورة يناير وكسر حاجز الخوف” ومن قبل عن “مسلمون ثوار” وعن “الإسلام والثورة”.. لقد كانت الثورة تمشي في عروقه والحماسة تنبع من بين كلماته..
كتب عن “الإسلام والفنون الجميلة” وعن “الإسلام وحقوق الإنسان” وعن “تيارات الفكر الإسلامي” و”المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية” و”أزمة الفكر الإسلامي المعاصر” “الإصلاح الديني في القرن العشرين” و”العرب والتحدي” وغيرها من الكتب التي أضافت للمكتبة الإسلامية بعض ما كان ينقصها..
الشيخ الجليل لم يسلم من همز ولمز وهجوم الجميع، كان الإسلاميون يرونه العالم المجاهد إن دافع عن فكرة يؤمنون بها وما أقوى دفاعاته، وفي المقابل يهمزونه ويهاجمونه إن رفض أو خالف ما كانوا يؤمنون به، أما خصومه في الطرف الآخر من العلمانيين فأظن أنه كان شوكة في حلوقهم بما يقدمه من خطاب عقلاني مدعم بالمعلومة والواقع، بما يكشف به زيف أفكارهم وخلل ضمائرهم.
كم أنا حزين لرحيله لأني لطالما تمنيت زيارته في الفترة الأخيرة، زيارة الرجل الذي كان يدعم أي شاب يرى أن عنده خطابا إسلاميا تجديدا، لقد كان أبا لأولئك الشباب الذين هاجمتهم الجماعات الإسلامية، لقد كان مظلة لهم لينطلقوا في الكتابة والتجديد المصحوب بعمق المعرفة، ولطالما دار حديث بداخلي “ليت أن هذا الشيخ يكتب لي مقدمة لإحدى لكتبي” لكني قلت: دعها لحين زيارته، حاولت وحاولت ولكن العوائق كانت تحول بيني وبين السفر وحين سمعت بمرضه حاولت التعجيل بالسفر ولكن قدر الله كان أسرع من إخراج جواز سفر يحصل عليه يمني يعيش بلا وطن.
أستاذنا الجليل هذه الكلمات لن توفيك حقك، وهذه الحروف لن تلم بتاريخ نضالك الفكري، ولكنها كلمات خرجت مباشرة بعد سماعي للخبر المؤلم، فإنا أتألم على رحيل العقول الكبيرة أضعاف ألمي على غيرهم، العقول التي يحاربها الجميع ويغمط حقها الجميع، العقول الحرة التي عاشت وحدها وناضلت وحدها وقامت على قدميها دون أن تحملها جماعة أو حزب، تلك الشخصيات والعقول أكن احتراما كبيرا لها حتى وإن لم أتوافق مع تفاصيل مشروعها، الشخصيات الصادقة في نهضة وطنها وتحرير شعوبها من أي تيار كانت وإلى أي اتجاه انتمت.. 
سنصلي عليك صلاة الغائب ولن ننساك من دعائنا، وسننشر الفكر النير الذي عشت من أجله، وسنحكي لأولادنا وأصدقائنا عن حياتك المليئة بالجهاد، وسنرتب الندوات لفكرك الذي ملأ المكتبة بأصناف المؤلفات وفي شتى مناحي المعرفة.
رحم الله أستاذنا الجليل وعزاؤنا لأهله ومحبيه وللأمة الأسلامية جمعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق