كتابات خاصة

مريم !

صفاء الهبل*

محاربة الجوع والفقر وحماية إنسان آخر والمحافظة على حياته لاتحتاج إلى فقهاء ولا إلى دار إفتاء.. تحتاج إلى شجاعة وإقدام لمحاربة من ينصبون أنفسهم وكلاء على خلق الله حتى يقيدوا الأخرين ويفرضون عليهم نمط حياة معقد .. كيف حال صباحك يا مريم؟

هل ما زلت تواجهين نساء مشوهات نفسيا ويأمرنك بالستر وعدم البيع في الشارع وترك أسرتك تموت فقرا وحاجة وجوع!
ما أشد وجعك يا مريم!
ما أشد حزني على عمرك الصغير الذي دفن بتجاعيد الهم والشقاء.. غافلون حقاً، يتجاهلون عمداً النظر إلى يديك..
لديك خارطة عمر تتجاوز 60 عاماً !
يتحاشون النظر إلى عينيك، مخافة الغرق. عيناك دفنت اتجاه الشمس من شدة الهموم وأصبحت نظرتك قاتمة، ساكنة، عاصفة هوجاء تقيدينها بالسلاسل حتى لا تخسري زبائنك.. كأنك ليل ظلم بعتمته..
الكتل البشرية التي تبحث عن الفضيلة وتدعي الحياة ليست مجتمع بأكمله، هؤلاء حفنة منافقون وإن ظهرت لهم الحقيقة في المرآة، صمتوا أمام عريهم وزيف فضيلته..
هناك أخرون مثلي ومثلك..
لا تخافي، فمن معك، كثيرون جدا
نرفع لك القبعة، نحني لصمودك احتراماً ونقبل الأرض التي تحصدين فيها رزقك بتعب وجهد.
يا مريم.. القوة التي تمتلكينها ليست قوة وحيدة، بل هي قوة كل النساء العاملات، المناضلات لأجل حياة الأخرين.
نعمة مسنة تعيل أطفالها اليتامى من بيع الشذاب.
“أم أحمد” هكذا تسمي نفسها، تمنيا لأحمد الذي لم تستطع انجابه، فقد رزقها الله سبع من البنات.. تتقاسم المهام مع بناتها، هن يخبزن وهي تبيع الخبز واللحوح، لتكفيهن شر المارة والناس وقطاع الرزق.
تتنقل سميرة بين المحلات لتبيع البسباس خفية من أسرتها لتعيل أطفالها وزوجها المقعد..
نجاة لم تنجوا أيضا بل ترصد لها أهلها وأهل زوجها الذي أقعدته جلطة، زجروها بالعيب والعار وهددوها بالعقاب وحين سألتهم عن البديل، أرشدوها إلى التسول، فلن يعرفها أحد.
عندما قابلت هنادي وجدتها مسنة صغيرة، تبيع البيض بطبق كرتوني في آخر الشارع وتتناوب هي وأختها على البيع حتى تجميع قيمة الدواء لوالدتها المسنة وإيجار ما يشبه المنزل!
كلهن ومن مثلهن، مقاتلات عظيمات، يتحدن ويوحدن قوة التحمل لتحميهن جميعا من دعاة الوعظ والإرشاد ومن فقدوا قيمة الشرف والأخلاق والقيم من المارة.
لاتصدقي من قال إن الموت جوعا، شرف!
من ادعى أن العمل في الشارع، قرف!
محاربة الجوع والفقر وحماية إنسان آخر والمحافظة على حياته لاتحتاج إلى فقهاء ولا إلى دار إفتاء.. تحتاج إلى شجاعة وإقدام لمحاربة من ينصبون أنفسهم وكلاء على خلق الله حتى يقيدوا الأخرين ويفرضون عليهم نمط حياة معقد ..
لم تكن النمطية، دين!
فلا يحق لمخلوق عابر، وضع ملامح معينة للحياة والسلوكيات البشرية وتعميمها وتقييد الأخرين بها تحت مسميات مختلفة سواء كانت منهجية، آداب، قيم.
لن تنضج الشعوب حتى تتعلم تقبل الآخرين باختلاف ثقافاتهم وسلوكياتهم سواء كان مضطرا لفعل أو قول شيء مخالف أم لم يكن، فكيف بوضع إنساني مفروض على إنسان مثلهم، خانق له ومُثقل لعاتقه ويكاد يكون مميت!
التعدي على حياة الأخرين، أياً كان السبب، ثرثرة. والحياة لا تحتاج إلى ثرثرة. بل تحتاج إلى عمل وجهد وآمال غزيرة تتسع للحلم مهما كان كبيراً .. فلا يعنينا من حول حياته 
إلى مجرد ثرثار كبير.

——————
*صفاء الهبل، كاتبة وناشطة اجتماعية يمنية
**المقال خاص بموقع “يمن مونيتور” ويمنع نشره وتداوله إلا بذكر المصدر الرئيس له. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق