كتابات خاصة

سؤال الكتابة (1-2)

حسن عبدالوارث

مع تسليمنا بصحة الكثير من القوانين والقواعد والأسس النظرية التي وضعها هؤلاء لعملية الكتابة كثيرون نظّروا واجتهدوا بصدد عملية الكتابة -والكتابة الأدبية بالذات- كحالة إبداعية استثنائية وذات خصوصية في مضمار النشاط الإنساني الواعي. وهم راحوا يُشرّحون هذه العملية ويُحلّلون تفاعلاتها وكأنّها حالة كيميائية بحتة، أو شرعوا يَشرّحونها ويُفسرونها وكأنّها مادة قانونية أو قاعدة فقهية، أو يضعون لها القوالب والقواعد، ويصفون لها المراحل ويمنطقون لها الخطوات والأدوات والوسائل، وكأنّها لعبة ذهنية كالشطرنج.

ومع تسليمنا بصحة الكثير من القوانين والقواعد والأسس النظرية التي وضعها هؤلاء لعملية الكتابة -وأقصد هنا النص الأدبي تحديداً- إلاَّ أننا مع ذلك لا بد لنا من التسليم بأن «لكل قاعدة استثناء» بالطبع وربما بالقطع. غير أننا قد نتفق مع رؤية مالكوم كاولي مثلاً، بصدد لحظة ولادة هذه العملية وتطورها المرحلي حتى اللحظة الأخيرة، وهي لحظة وضع آخر عبارة في النص. ويمكنني اختزال رؤيته – التي استطالت وتشعّبت كثيراً – بتكثيف بالغ وبأسلوب مغاير نسبياً:
هناك دائماً بذرة لا بد من توافرها حتى تنمو نبتة الكتابة. سمّها -إن شئت- الفكرة. وقد تأتيك هذه الفكرة من شيء مرئي: وجه إنسان أو جزء تفصيلي جداً منه مثلاً، أو حادث ما أو مجرد مبنى.. أو قد تأتيك من حالة سمعية: صوت مميز -أو حتى مزعج- أو موسيقى ما.. أو ربما أتتك من ذكرى عابرة في حياتك الماضية أو حياة سواك، قد تكون لحظة رومانسية أو مشاجرة حامية أو موقفاً مضحكاً حدث لك أو لغيرك في مكان عام.. وقد تأتيك من أي تفصيل في واقعك أو في خيالك. غير أن هذه البذرة في مسيس الحاجة إلى ماء يرويها، حتى تغدو نبتة يانعة أو وردة متفتحة. وذلك الماء يتجسد في التفكير والتأمل ثم إعمال الخيال والجدّ في الدرس والبحث، فهي العناصر الكفيلة بإنجاز عملية الكتابة على نحو مثالي، إذ ْ لا يمكنك الشروع في الكتابة بثقة إلاَّ إذا اختمرت الفكرة تماماً. ثم تأتي مرحلة التشذيب والتقليم، حتى تكون النبتة في أحسن تقويم؛ نصاً مكتملاً صالحاً للنشر. أما بعد ذلك فلا يهم، فهو ليس من شأنك، بل هو شأن القراء والنقاد، وقبلهم الناشر بالطبع.
إن كثيراً من الكُتّاب والنقاد اهتموا كثيراً بطرح عدد من الأسئلة المتصلة بعملية الكتابة، كمثال: لماذا يكتب الكاتب أو الأديب؟ ولمن يكتب؟
وقد أغرق الأدباء والنقاد كثيراً في السعي للإجابة عن هذين السؤالين. غير أن سؤالاً آخر -أكثر تفصيلية وحميمية- يُطرَح عادةً في المقابلات والحوارات التي يُجريها بعض الصحافيين مع عدد من الأدباء أو الكُتّاب: كيف تكتب؟
وقلّما تجد إجابة ضافية عن هذا السؤال في سياق مقابلة، ناهيك عن مقالة كتبها أحد الكُتّاب أو الأدباء، كاشفاً به جانباً يُعدّ سرّياً في نطاق ما يمكن تعريفه بالسيرة الأدبية. وفي هذا المضمار سنكشف زاوية حميمة من عملية الكتابة تتصل بكيفية الكتابة لدى عدد من أبرز الأقلام في عالم الأدب. وهي حالات تطرّق إليها هؤلاء بأنفسهم في مقالات كتبوها ونشروها، أو في مقابلات أُجريت معهم، في أزمنة وأمكنة مختلفة. وقد توافرت ُ عليها في عدد من الكتب والمجلات والمواقع الإلكترونية.
قيل إن «الأسلوب هو الرجل» بحسب سانت دينيف، أو بالأصح «هو الشخص» حتى لا تشوب العبارة شُبْهة الجنسوية. غير أن أسلوب الكتابة لدى أي أديب ليس حالة منفصمة عن سلوكه – إن جاز التعبير – المُتّبَع في إنجاز العملية الإبداعية المتمثلة بالنص. والمُطّلِع على سِيَر الأدباء وأسرارهم -المتصلة على نحو حميمي بهذه العملية- سيُدهش من الطرائق التي يكتب بها عديد من الأدباء نصوصهم. ويتنوّع أغلب هذه الطرائق بين ما هو طريف وما هو جنوني، بل إن بعضها يصب في قالب الشعوذة!
في الجزء الثاني من المقال سنتعرّف على عديد من هذه الأساليب والطرائق التي تتّصف غالبيتها بالغرائبية اِنْ جاز الوصف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق