كتابات خاصة

حكاية الشيخ الطاعن في السن

إفتخار عبده

شعور نبيل يتملكك عندما تراهم في خضم انهماكهم بتلاوة القرآن الكريم تحس أنه ما يزال الأمل موجودا في هذه البلدة التي  أكلت الحرب فيها كل جميل وكل ما هو ممتع.

بين زحام الناس هناك، إلى جانب المسجد الصغير الذي يتّسع لعدد ليس بالكثير  من المصلين، يتكئ ذلك الشيخ العجوز الطاعن في السن إلى حد بعيد جدا، في تلك الزاوية المخصصة له بجوار المسجد، حيث يتكئ الظل بجواره على تلك الحجرة المربعة التي يضع العجوز مرفقه الأيسر عليها.

يحمل بيده اليمنى عصا يشير بها إلى تلك المجموعة من الصبيان الملتفين حوله يتلون القرآن الكريم من ألواحهم الخشبية، تلك المغطاة بنوع خاص من التراب معد لهذا الغرض فقط والمكتوب عليها بنوع خاص من الحبر، يتم صنعه بطرق بسيطة للغاية، يقتتح الشيخ جلسته مع الصبيان بتلاوة البسملة بطريقته الخاصة إذْ يقوم بتقطيع البسملة حرفا حرفا، يقرأ الحرف ويلفظ اسم الحركة المكتوبة عليه  ثم يردد الصبيان بعده بصوت شجي  للغاية وبنغم خاص بتلك الجلسات القرآنية.
شعور نبيل يتملكك عندما تراهم في خضم انهماكهم بتلاوة القرآن الكريم تحس أنه ما يزال الأمل موجودا في هذه البلدة التي  أكلت الحرب فيها كل جميل وكل ما هو ممتع.
كم هو جميل عندما ترى الصبيان في جلستهم منصتين لشيخهم يتبعون قوله بكل التزام واحترام، ولكم هو جميل ذلك الشيخ العجوز بجلسته تلك في المكان المرتفع بعض الشيئ عن الصبيان، يمضع وريقات من القات بفمه التراثي المنهار، ثم يشير إلى أحد الألواح بعصاه النحيلة ويقرأ الطلاب السطور المشار إليها بتلكم العصا، بصوتهم المفعم بالحيوية والنشاط لكأنهم يلتهمون السطور بأصواتهم واحد عيونهم.
هذه هي حياة الريف كلها حياة وأصالة  كلها نقاء ورقة وبساطة مليئة بالهمة كم هو جميل ذلك المكان الذي لم تلوثه السياسة ولم تدسنه الحروب، مكان يكاد يكون خاليا من النعرات في أعالي المرتفعات لا يعرف إلا هبوب النسيم  وبعضا من المنغصات التي تقدمها الحياة لكل من ما يزال قلبه ينبض.
المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن سياسة (يمن مونيتور) ويمنع إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها الأصلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق