كتابات خاصة

عزاء العزعزي

سلمان الحميدي

كل ما فعله أنه اختار الاسم لابنه كي يمسح الحساسية التاريخية، ويثبت قدرتنا على تجاوزها.

سمعت باسم “معاوية” قبل سبع سنوات تقريبًا، ليس معاوية القديم، وإنما معاوية الشاب الذي مات الخميس، استغربت أن يمنيًا سمى ابنه بهذا الاسم، في زمن وصلت به الحساسية حتى الأسماء، وحين عرفت أنه ابن عبدالهادي العزعزي، زادت غرابتي. فالرجل موسوعي يتحدث عن كل شيء وهو أقرب لليسار، ومن يجالسه ويسمع منه سيجده بعيدًا كل البعد عن أي صبغة دينية.
كل ما فعله أنه اختار الاسم لابنه كي يمسح الحساسية التاريخية، ويثبت قدرتنا على تجاوزها.
لم أجرؤ أن أتصل بالعزعزي لأعزيه، لكني أذكر أني اتصلت به في مارس 2013 لآخذ منه تصريحاً، مازلنا نتواصل خاصة عندما يكون برفقة صاحبي عنتر، لكن تصريح مارس كان أول وآخر تواصل مع العزعزي بشأن صحفي، كان ذلك إبان الحوار الوطني عندما كان عضوًا استبشر به الكثير، وبعد أشهر، قدم حزبه “التجمع الوحدوي” مذكرة لرئاسة الحوار لاستبداله.. اتصلت به، فعلق: يريدونا أن نكون كذكر النحل، مهمتنا تلقيح الملكة، وعلينا أن نموت!
كان معاوية شابًا فتيًا يرافق والده في صنعاء، يأتي من القرية فيسأله عن أهله وأقاربه وإخوته، عاش العزعزي شبه غربة في صنعاء في سبيل ثورة الشباب 2011. منذ الثورة وحتى الحرب.
عبدالهادي مطلع على تجارب الآخرين، نشأة دول واضمحلال دول، نشوء حركات مسلحة دينية، ايديولوجيات، دساتير وقوانين، ثورات وتحرر.. إلخ. وقروي أيضًا، يكون يتحدث عن جزئية تخص واقعنا فيبني رأيه ويرجحه مستشهدًا بتجربة مماثلة مع مراعاة الفارق بين التجارب، وأحيانًا بحكاية من القرية..
عندما تقرأ له أو تسمع عنه تبني حجة لتقول له بأنه على خطأ، تروح لتنشر رأيك متباهيًا به وأحيانًا تلمزه بسوء، لكن عندما تقابله يفحمك بحجته ورأيه، فلا تملك إلا أن تكون مصغيًا، فتؤمن بأنه كالبحر الموار لا ينضب ولا يمكن المجازفة بخضمه.
ينشر آراءه بلا مواربة، يتعامل مع الكيبورد بإصبع واحدة ولا يكترث للأخطاء، إذا التبس رأيه في الفيس بوك فلا تخطئوه قبل أن تسمعوه أو تجدونه يكتب على الورق.
عندما تم تعيينه كوكيل لوزارة الثقافة، فرحت.. ليس للمنصب وإنما للراتب الذي سيأتي للمعلم الفذّ.
في الحرب، كان كل ثقله مع المقاومة والشرعية، ينتقد الأخطاء ويستلقف التهم من البعيد، ولا يسلم من اللمز من القريب، صوته، صورته، جهده مع الوطن. اصبعه تكتب في فيس بوك، وفي كل لا يرى في مليشيا الحوثي خيراً، لأنها تستند في دعوتها للسلطة إلى زعم اصطفاء إلهي مثل جيش الرب الأوغندي.
وطيلة الفترة الماضية، العزعزي بلا راتب، وقد نزل إلى عدن عدة مرات للمتابعة بلا جدوى، في وقت يتزاحم فيه الأوغاد في فنادق الرياض ويستلمون بالعملة الصعبة، رغم أن بعضهم… إلخ.
إنهم يتعاملون مع الصادقين “كذكر النحل”.
لم أستفسر حول ما يفعله العزعزي في عدن هذه الأيام، ربما كان يبحث عن راتبه الذي يتساوى تقريبًا مع راتب مجند جديد. جاءه خبر ابنه معاوية وهو هناك. لم أجرؤ على الاتصال به لأعزيه.. تواصل معي صاحبي عنتر الفتيحي الذي كان أشجع مني واتصل بالعزعزي عند الثالثة ليلًا. بدل ما أواسيه أنا واساني هو قال عنتر، العزعزي قوي..
تعليق العزعزي على حادثة موت ابنه معاوية ينمّ عن قوته وتوقد ذهنه: الكثير من اليمنيين، مش معاوية ابني بس، الكثير من الشباب الذين ماتوا، كل ذلك بسبب الحوثيين، بسبب الحرب التي جعلتهم يقومون بأعمال ليست لهم..
عندما كان في عدن، وأول ما وصله خبر موت ابنه، سأل: أين كان معاوية؟
فقالوا له أنه كان في مقطع أحجار “منقاف” يخرج له بعض الحجارة، فانهارت بعضها عليه ومات.
المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن سياسة (يمن مونيتور) ويمنع إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها الأصلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق