آراء ومواقف

النظام الإقليمي العربي يتهاوى

جميل مطر

فشل النظام الدولي. فشلت قياداته ومجلس الأمن وغيره من مؤسسات هذا النظام فشل النظام الدولي. فشلت قياداته ومجلس الأمن وغيره من مؤسسات هذا النظام، وفشل القانون الدولي ومنظومة المعاهدات والاتفاقات الإنسانية. فشلت المساعي الحميدة وغير الحميدة. فشلت قيم التحضر والأصالة ودروس التاريخ. فشلت كلها في تهدئة ذئاب وكلاب مسعورة نزلت على سورية من داخلها ومن خارجها تفتك وتنهش. فشلت الجامعة العربية، ولعلها كانت في مقدم من فشلوا. أما لماذا فشلت، فالأسباب كثيرة يعرف بعضها القاصي والداني، واخترت من بينها الأهم من وجهة نظري أطرحه لنقاش أتمنى أن يبدأ وينتهي هادئاً.
الجامعة العربية مؤسسة ترمز إلى نظام إقليمي اصطلحنا على تسميته النظام الإقليمي العربي. ارتبطت النشأتان في وقت واحد. استلهمت الجامعة الجانب الأعظم من مبادئها من مبادئ نظام دولي كاد يكتمل التشكيل، ولكنها، وهو الأهم، استلهمت طموحاتها وأهدافها وهويتها من هذا النظام الإقليمي الناشئ بمعالم بنيوية واضحة، أقصد بحدود خارجية محددة ومقررة، وحدود داخلية معترف بها دولياً، وإن بقيت في نظر تيارات مهمة حدوداً رمزية. ببساطة شديدة نشأت على خريطة التفاعلات الدولية مساحة واسعة من الأرض تحدها حدود واضحة كل الوضوح وتسكنها جماعة بشرية متميزة الأوصاف والتاريخ، تتحدث اللغة نفسها وتتوحد، أو كادت تتوحد، في هويتها. هذه الجماعة، كنظام إقليمي، اختارت أن تقيم مؤسسة تؤكد بها وجودها وحقوقها وتنفذ من خلالها طموحاتها، مؤسسة تعبر عنها وتنطق باسمها في العالم الخارجي. تلازم المفهومان حتى كادا في وقت من الأوقات يتطابقان في الذهن العام، وجهان لكيان واحد، لا ينفصل النظام عن مؤسسته الناطقة باسمه والمعبرة عن وجوده ولا تنفصل المؤسسة عن بيئتها الطبيعية أو عن ربيب نعمتها وسبب وجودها.
وقعت الواقعة. انفصل الاثنان ومنذ وقع الانفصال بينهما لم يعد من حق الجامعة ولا من واجبها أن تتحدث باسم نظام إقليمي يفتقد الاعتراف الدولي والإقليمي ولا يحظى حتى باحترام حكام الدول الأعضاء فيه. أصبحنا كمفكرين وإعلاميين نهتم بنظام حدوده ليست حدود نظامنا العربي، أخلاق أهله وطباعهم ليست كلها أخلاقنا وطباعنا، أكثر طموحات زعمائه هي في حقيقتها أطماع على حساب بعض أهل وأرض وعقيدة ما كان نظاماً عربياً. أما طموحات زعمائنا على امتداد عمر نظامنا فأكثرها تنازلوا عنه في مرحلة أو أخرى من عمر النظام، وتاريخ الجامعة العربية أصدق شاهد على ما أقول.
أستطيع وبلا تردد كبير أن أشخص الحال الراهنة للنظام الإقليمي العربي بحال نظام ينتقل من وضع توقف أو شلل نصفي إلى وضع الدخول في مرحلة انتقال. ينتقل من نظام بمواصفات معينة يتدهور منتقلاً في اتجاه نظام إقليمي بمواصفات مختلفة في طور النشأة. الانتقال مرتبك للغاية لأن الإقليم العربي، بين أسباب أخرى، لا تجربة سابقة له في هذا الشأن. الخبرة الوحيدة الماثلة في الأذهان، وبخاصة أذهان علماء التاريخ وزعماء نعرفهم، هي تجربة العيش في ظل امبراطورية عثمانية عقيمة ومتخلفة وقمعية أورثتنا تقاليد العنف والاستبداد وسلمتنا لقمة سائغة للاستعمار الأوروبي. هذا الاستعمار هو الذي أدخل العرب من دون استئذانهم إلى عالم الدول القومية والسيادة الوطنية ومفاهيمه.
جيلنا شاهد على أن الانتقال من نظام إقليمي عربي إلى نظام آخر يحدث في هذه اللحظات التي تكتب فيها هذه السطور بصخب هائل. ما تحقق أمامنا حتى الآن من خطوات انتقالية وقع في ظروف دموية وبعنف شديد القسوة خططته عقليات متوحشة وتنفذه أيادٍ ظالمة. سورية ليست سوى خطوة من خطوات تحققت أو جارٍ فعلها أو تفعيلها في أماكن أخرى. استبعدت دوماً فكرة المؤامرة وما زلت استبعدها، فكثيرة هي أسباب هذا الانتقال العنيف. أهم الأسباب مثلاً وأولاً حال الارتباك الأعظم الذي تمر فيه المرحلة الحالية من مراحل التحول في النظام الدولي. لا ننسى ولن نقلل من قوة وتشعب العلاقة التي تربط بين النظام الدولي وهذا الإقليم والتأثير القوي الذي يتبادله الاثنان. ثانياً، افتقار النظام العربي في مرحلة انتقاله الراهنة إلى عدو أو هدف تجتمع حوله جميع الدول المكونة للنظام، أو على الأقل «تتوافق» عليه الدول القادرة على قيادة النظام وتسييره. كانت فلسطين هدفاً وإسرائيل عدواً. الهدف أضاع نفسه أو ضاع تحت ضغط ظروف نظام إقليمي يهترئ، أما العدو فعلى الطريق ليصبح حليفاً ومشاركاً بعد أن عاش الفترة الأخيرة ناصحاً وصديقاً. من الأسباب أيضاً، أن النظام العربي عاش معظم سنوات عمره يهدده شبح نظام شرق أوسطي يتقدم بثقة وأحياناً كثيرة بدعم من خارج المنطقة. عاش يشاهد ويتابع، من دون مقاومة، زحف طلائع نظام جديد لتحتل قلب النظام العربي ومواقع عدة أخرى. سبب رابع، ولعله عظيم الأهمية، وجدناه في تراجع العلاقة بين قطبي النظام العربي، مصر والسعودية. وهنا أتوقف قليلاً.
أعلم تماماً أن أحداً لم يقم بدراسة وافية وصادقة عن رؤية قادة البلدين لمستقبل النظام العربي وفهمهم لدور كل بلد من البلدين ومسؤوليته عن عملية توجيه النظام وترشيد توجهاته. المشهد الراهن ليس في حاجة إلى شرح أو تبرير. المشهد الراهن إذا استمر وحال النظام العربي على ما هو عليه فغالب ظني أن الدولتين لن تجدان حليفاً في الغرب أو في الإقليم قادراً على إنقاذ النظام الإقليمي. كثيراً ما تخاصما وكثيراً ما تباعدا ولكن استطاعا في خصامهما وبعادهما المحافظة على استقرار النظام العربي وحماية حدوده الخارجية.
نعيش مرحلة حرجة وحساسة والقادة هنا وهناك يدركون خطورة الحال. حاجتنا ضرورية إلى تحسس مواقع الحرج والحساسية. تركنا أنفسنا على سبيل المثال نعود إلى الثنائية المقيتة التي أساءت كثيراً إلى العلاقات العربية، أقصد تحديداً تقسيم عرب النظام أو حشرهم في ثنائية دول الطوق ودول المساندة. ففي زمن مضى اختارت دول الطوق كلها أو بعضها أن تتخذ قراراتها في أمور الحرب والسلم من دون استشارة دول المساندة وكانت النتيجة كارثية. أرى الأسلوب يتكرر فهناك طرف أو مجموعة دول تعتبر نفسها المهددة قبل غيرها، فتقرر وحدها الدخول في حرب أو حلف من دون استشارة من توقعت منهم المساندة. الحل هو عقد لقاءات دورية بين القادة يتبادلون فيها الرأي ويشرحون ويبررون ما فعلوا أو ينوون فعله. أعرف بالتأكيد أن ما يجمع بين القادة هنا والقادة هناك أكثر مما يفرق بينهم. أعرف مثلاً أنهم واثقون من أن الثورات خبت ولم تنطفئ، ومعترفون إذا تصارحوا بأن أقصى الجهود لم تأتِ بالنتائج المرجوة. السبب يكمن في أن هؤلاء القادة لم يتشاوروا حول التدخل في سورية من عدمه وفي اليمن وفي ليبيا ودور «الإخوان المسلمين» في صنع مستقبل الإقليم.
لا يخفى ما لإيران من وكلاء في العالم العربي. لها ميليشيات مسلحة وأحزاب سياسية وزعماء محليون، وقد يكون هناك من أهل الملة من يتعاطف معها. لا أعلم على وجه الدقة ما يفكر فيه المسؤولون في الدولة المصرية عن احتمالات المستقبل بالنسبة إلى التدخل الإيراني، ولكني أقدر عن ثقة وخبرة أن مصر لن تتدخل بالعمق اللازم أو بالشحن الشعبي أو بالقوة المجردة طالما يتم صبغ هذا التدخل الإيراني السافر بالصبغة الطائفية. أزعم أنني أعرف أن العقيدة العسكرية المصرية تستنكف التعامل مع أزمة خارجية تكتسي الطابع الديني أو المذهبي أو الطائفي.
نقلا عن الحياة اللندنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق